.
.
 
 
 
 
الانتخابات البلدية النرويجية بين تراجع التطرف اليميني وصعود ثقل المسلمين
 
 

تقرير: إبراهيم بالكيلاني

شهدت الانتخابات البلدية النرويجية، التي جرت يوم 12 سبتمبر 2011، خسارة لليمين المتطرف، تزامن مع صعود ثقل أصوات المسلمين فيها، وخاصة في بلدية العاصمة أوسلو. وتكتسب هذه الانتخابات أهميتها من أنها جاءت بعد قرابة شهرين من الاعتداءات الإرهابية المروِّعة التي نفّذها يميني متطرِّف وأوقعت الكثير من الضحايا الأبرياء.

الجالية المسلمة وتحفيز المشاركة في العملية الانتخابية

تشير الاحصائيات إلى أنّ مشاركة من يوصفون بالمهاجرين في العملية الانتخابية الأخيرة لسنة 2007 لم يتجاوز 50 في المائة ممّن يحقّ لهم التصويت. وتقلّ هذه النسبة عند المسلمين، مما دفع المؤسسات الاسلامية في النرويج إلى حثّ روّادها على المشاركة الفاعلة و الانخراط في العملية السياسية لأنها البوابة الأساسية التي تلج الجالية من خلالها ساحة الفعل للمحافظة على الحقوق والمكتسبات وتنميتها، ولتغيير الصورة النمطية، ولمدّ جسور التفاعل مع كلِّ مكوِّنات المجتمع ، وسعياً للمشاركة الايجابية في بناء مستقبل للمجتمع متعدد الثقافات.

وقد خصّصت العديد من المساجد خطب الجمع لبيان الحكم الشرعي من العملية الانتخابية، وتأكيد أهمية المشاركة في الانتخابات. ونظّمت بعض الجمعيات الإسلامية حوارات متتالية مع الأحزاب السياسية منفردة أو جماعية، ونظّمت أيّاماً مفتوحة للتعرّف على برامج الأحزاب وعلى إجراءات العملية الانتخابية. و قد سعت أغلب الأحزاب السياسية إلى زيارة المساجد لتقديم رؤيتها وبرامجها وللتتواصل مع الحضور المسلم، مستمعة لهمومه ومطالبه وساعية لجذب المسلمين إلى صفوفها.

أكثر من نصف نواب حزب العمال في بلدية أوسلو من أصول مهاجرة

يمثل صوت من يوصَفون بالمهاجرين، والمسلمين منهم بالخصوص، أهمية بالغة في العديد من البلديات النرويجية، وأبرزها بلدية أوسلو. إذ يبلغ عدد الناخبين من ذوي الأصول المهاجرة ناخباً من كلِّ أربعة ناخبين في مدينة أوسلو. وقد منح المسلمون في الانتخابات البلدية سنة 2007 ، 56 في المائة من أصواتهم لحزب العمال الذي يقود الحكومة الحالية. بينما منح المسلمون 28 في المائة من أصواتها لحزب اليسار الاجتماعي المتحالف مع حزب العمال، و10 في المائة فقط لحزب المحافظين.

وإذا تمّ توزيع الناخبين على أساس الجغرافيا؛ فإنّ الذين صوّتوا لحزب العمال في الانتخابات الماضية هم 61 في المائة من أصول إفريقية و55  في المائة من أصول آسيوية، و45 في المائة من شرق أوروبا و33 في المائة من أمريكا اللاتينية . وقد بلغ عدد المصوِّتين للحزب نفسه 53 في المائة من المنحدرين من أصول غير غربية.

وقد حقّقت الحضور المسلم ارتفاعاً في المشاركة في هذه الانتخابات (2011)، خاصّة وأنّها تأتي بعد حدث دموي رهيب هزّ البلاد، تمثّل في الاعتداءات المروِّعة التي شهدتها النرويج يوم 22 يوليو الماضي، والتي كانت صنيعة التطرّف اليميني، والذي استهدف سياسة الحكومة صاحبة مشروع "مجتمع متعدد الثقافات". ولم يَخِب أمل الأحزاب التي راهنت على أصوات من يُوصَفون بالمهاجرين،  والتي تتّجه عموماً إلى الأحزاب نفسها التي يصوِّتون لها تاريخياً؛ وهي حزب العمال وحزب اليسار الاجتماعي وبدرجة أقل حزب اليسار.

وقد بلغت نسبة المشاركة في مدينة أوسلو 65.1 في المائة في الانتخابات البلدية التي جرت يوم 12 سبتمبر 2011. وبلغت النسبة العامة في كامل البلاد 63.6 في المائة. وتشير النتائج النهائية للانتخابات إلى حصول حزب العمال على عشرين مقعداً  في المجلس البلدي لأوسلو، منها 11 مقعداً من ذوي أصول مهاجرة وأغلبهم مسلمون، ممّا يشير إلى أهمية دور الحضور المسلم في نجاح حزب العمال وتأثير المسلمين المتزايد في العملية الانتخابية. وهذه الحقيقة سوف تمنح الحضور المسلم ثقلاً انتخابياً يسعى إليه الأحزاب في كل جولة اقتراع، بينما تشير هذه النسبة أيضاً إلى دور الناخبين المسلمين في إلحاق الهزيمة باليمين المتطرف.

الانتخابات البلدية و اليمين المتطرِّف

كان أندرش بهرنغ بريفيك، الذي قام باعتداءات 22 يوليو 2011، نشطاً في جمعية شباب الحزب التقدمي خلال السنوات من 1997 وحتى 2007 ، وهو الحزب الذي يعتبره العديد من المحللين متطرِّفاً. ولهذا الحزب مواقف متطرفة تجاه المسلمين ومن يُوصَفون بالأجانب عموماً، إضافة إلى مسايرته الدائمة لسياسات الاحتلال الإسرائيلي. وقد تقلد بريفيك مناصب قيادية في ذلك الإطار الشبابي، إضافة إلى عضويته في الحزب التقدمي في السنوات من 1996 وحتى 2006، ولكنّه استقال من الحزب سنة 2007  منتقداً إيّاه بأنّ سياسته تتّجه إلى الليبرالية أكثر. وقد حمّل العديد من المراقبين  الحزب التقدمي مسؤولية أدبية لظاهرة التطرّف اليميني، بينما اعتبرت قيادات في الحزب أنّ لغة خطابها الحادّة بحاجة إلى مراجعة. لذلك يعزو المراقبون تراجع الحزب في هذه الانتخابات إلى هذه الخلفية المرتبطة باعتداءات يوليو. فقد بلغت نسبة تراجع الحزب على جبهة الطلاب 7.5 في المائة مقارنة بأدائه الانتخابي في الانتخابات البرلمانية عام 2009، وقد تراجع الحزب إلى 13 في المائة فقط في هذه الانتخابات البلدية فبلغ تراجعه نسبة 5.5 في المائة. وفي المقابل؛ زاد التصويت لحزب العمال بنسبة 6.3 في المائة في قطاع الطلاب، بينما كانت نسبة الارتفاع في جميع العملية الانتخابية 2.5 في المائة، لتبلغ 33.2 في المائة في كل البلاد ، وهي أعلى نسبة يتحصّل عليها حزب العمال منذ 24 سنة، كما صرّح بذلك الأمين الأول للحزب. وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما خسره الحزب التقدمي قد ربحه حزب المحافظين الذي بلغت نسبته 25.4 في المائة، أي بارتفاع مقداره 6 في المائة.

ومن الواضح أنّ الاعتداءات الإرهابية التي صدمت النرويج بأسرها قد تركت تأثيرات عميقة، فكافة الأطراف باتت تؤكد اليوم ضرورة التمسّك بقيم التنوّع والتعدّد والاحترام المتبادل. كما حضّت الاعتداءات من يوصفون بالمهاجرين، والمسلمون منهم بالخصوص، على ضرورة التحرّك السريع لقطع الطريق على اليمين المتطرف الساعي للنيل من قيم العيش المشترك. وقد تداعت مؤسسات المسلمين للعمل من أجل تحقيق مشاركة كبيرة في الانتخابات البلدية، بينما تجلّى ذلك في بلدية أوسلو الذي راهن المتنافسون في انتخاباتها على من يُوصَفون بالمهاجرين، كونهم ربع الناخبين في المدينة .

أمّا على المستوى العام للانتخابات البلدية النرويجية، فقد خسر الحزب التقدمي نسبة 7.2 في المائة مقارنة مع انتخابات 2007 البلدية، ما يعني تراجعاً كبيراً لهذا الحزب، وهو ما يمثِّل نقطة ايجابية في إطار الضغط عليه من أجل مراجعة حقيقية لمواقفه وسياسته المتحاملة على التعددية الثقافية. ولعلّ سعيه لترشيح زعيمه السابق كارل هاغن لإدارة بلدية أوسلو، قد كلّفه الشيء الكثير، ممّا دفع من يوصفون بالمهاجرين إلى مشاركة أوسع بينما شهدت الساحة السياسية تحالفات بين الأحزاب لقطع الطريق أمام  كارل هاغن الساعي لترؤُس هذه البلدية الهامّة. أمّا صعود المحافظين فقد جاء على حساب الحزب التقدمّي. وأمام حزب العمال الآن فرصة حقيقية لقيادة بلدية أوسلو إذا ما تحالف مع حزب اليسار، وبذلك يعود حزب العمال إلى ترؤّس بلدية أوسلو بعد ست عشرة سنة من هيمنة المحافظين عليها.

وفي المقابل؛ مثل تراجع حزب اليسار الاجتماعي صدمة لحليفه حزب العمل، وصدمة لقيادته أيضاً، ما حدا برئيسة الحزب كريستين هالفرشن للإعلان عن تنحِّيها في الربيع القادم (2012)، مؤكدة ضرورة أن يدخل الحزب في الانتخابات البرلمانية 2013 بقيادة جديدة، بعد قيادتها للحزب طيلة خمس عشرة سنة. وربّما تشهد أحزاب أخرى تغييرات جوهرية في قيادتها ومراجعة لخطابها وبرامجها، وببقى أبرزها هو الحزب الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات؛ أي الحزب التقدمي الذي بلغت نسبة تراجعه في كل البلاد 6.1 في المائة.

 
.
.