.
.
 
 
 
 
الطريق إلى مكّة .. رحلة العمر في موسم عالمي
 
 

تبوّأت رحلةُ الحج في وجدان المسلمين حول العالم، موقعاً مفصلياً هاماً، باعتبارها التجربة التي تتقوّم معها شخصية المسلم، فيصبح أكثر انضباطاً بضوابط الإسلام وأكثر استشعاراً للمسؤولية الملقاة على عاتقه نحو نفسه ونحو من يرعاهم، ونحو المجتمع والأمة والإنسانية.

ويبقى الحج الرحلة الأهم والأسمى في حياة الإنسان المسلم. فهي تمثل شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وأحد أركان هذا الدين الحنيف. فملايين الحجيج الذين يتدفّقون كل عام على المشاعر المقدسة، في أيّامٍ معلومات، إنما جاؤوا امتثالاً للأمر، وتلبيةً للنداء، وسعياً إلى الأجر والمثوبة منه تبارك وتعالى.

 

الحج المبرور

إنّ ما يتطلع إليه الحجيج أساساً هو القَبولُ من الله عزّ وجل، وأن يكون حجُّهم مبروراً، بتحقّق صفة التمام فيه، طمعاً في الأجر والمثوبة التي أشار إليها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في قوله: "والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلاّ الجنة" (رواه البخاري).


والحجّ المبرور، هو ذاك الذي استُوفيت أحكامُه، ووقع موقعاً لما طلب من المكلّف على الوجه الأكمل. والنيّة هي المنطلقُ في ذلك، فلا بدّ وأن يُستحضرَ في الحج الإخلاصُ لله تبارك وتعالى "إنما الأعمالُ بالنيَّات وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (رواه الشيخان)، ويتبع ذلك أن يكونَ الحجُّ على الوجهِ الشرعيِّ والموافق لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولا بدّ للحاجِّ أن يُعدّ مُسبقاً لرحلته، بالاستعداد لها بما تستأهله، فيجدِّد توبته النصوح، ولا ينفقُ إلاّ من حلال، ويُحسن اختيارَ رفقةِ الحج، من أهل الصلاح والتقى والعلم، وأن يتحلّل من حقوق الآخرين عليه.

ويتجلّى الحجُّ المبرور أيّما تَجَلّ في خُلُق الحاج وسلوكِهِ قولاً وفعلاً، كما يتحقّق بإكثارِه من الطاعات وتجنّبه للمعاصي وتورّعه عن الشبهات. ومما يعينُ على ذلك؛ استحضارُ الحاج لعِظَم هذه الشعيرة وفضلها، مستشعراً مغزاها ودروسها في كل محطّة من محطّاتها. ومن علائم الحج المبرور؛ أن يتحقق في الحاج قولُ الحسن البصري "الحجُّ المبرورُ أن يرجِعَ زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة".

 

البيت الحرام ومكة مهوى للأفئدة

تفيءُ أفئدةُ المسلمين أينما كانوا إلى البيت الحرام ومكة المكرمة والمشاعر المقدسة، في موسم الحج، بينما يَشُدّ الملايين منهم الرحال من أصقاع الأرض إلى هذه البقعة الطاهرة بأجسادهم، مستحضرين قوله تعالى (وأذِّن في النّاسِ بالحَجِّ يأتوكَ رِجالاً وعَلى كُلِّ ضامرٍ يَأتينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميق) سورة الحج 27.

وما زال المسلم يعيشُ على أمل رؤية البيت العتيق رأْيَ العين، هذا البيت، زاده الله تشريفاً، الذي جمع القداسة والمهابة، وظلّ موئلاً للموحِّدين ومقصداً للعابدين والقانتين.

إنّ البيت الحرام يبقى في وعي المسلمين برهاناً على وَحدة الأمة، أي أنه يتجاوز حدودَ الدورِ الرّمزي إلى تجسيده لتلك الوَحدة بالتئام مسلمي العالم حوله في أمنٍ وطمأنينة، إنها الوَحدة التي قال تعالى في شأنها (وَكَذلِكَ جَعَلناكُم أمَّةً وَسَطاً لِتَكونوا شُهَداءَ على النّاسِ وَيَكونَ الرَّسولُ عَلَيكُم شَهيداً) سورة البقرة 143، وقال أيضاً (وَإنَّ هَذِه أُمَّتُكُم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكُم فَاتَّقون) سورة المؤمنون 52.

 

رحلة الحج وتأثيرها في المسلمين

لقد أثّرت رحلة الحج في أعداد لا تحصى من البشر تأثيراً حاسماً وعميقاً، سواء في القديم أو الحديث. وفي القرن المنصرم، وجدنا، مثلاً، كيف أنّ هذه الرحلة قد أسّست لوعي جديد لدى مسلم أتى البيت الحرام حاجاً من القارة الأمريكية، هو الحاج مالك الشباز، الذي كان من قبل "مالكوم إكس". فقد عايش هذا المسلم الأمريكيُّ الأفريقيّ في رحلة الحج التي قام بها؛ أسمى معاني المساواة بين البشر، على اختلاف ألوانهم، فعادَ سفيراً لقيمة المساواة في مجتمعه الذي بدا وكأنه انقسم إلى فسطاطيْن، أحدهما للبيض والآخر لذوي البشرة السوداء.

كما كانت رحلة الحج بمثابة رحلةٍ إلى الإسلام، بالنسبة لمحمد أسد، الذي وُلد لأسرة يهودية باسم "ليوبولد فايس"، فسطّر كتابه الشهير "الطريق إلى مكة"، قاصداً شرح رحلته مع الإسلام الحنيف وعالمه.

وليس بعيداً عن ذلك؛ نجد كثيرين من معاصرينا، الذين شكّلت رحلةُ الحجِّ تجربةً عباديةً وروحيةً وقيمية وإنسانية عميقة، اختاروا تسطيرها في كتب ومؤلفات أو سردها في أحاديث وروايات، لعلّ من أحدثها مساهمةً من الأستاذ منير شفيق جاءت في كتاب بعنوان "الحج خواطر وتأملات". ومن هؤلاء أيضاً؛ مسلمٌ يابانيّ، اختار أن يصوِّر في أواخر التسعينيات من القرن الميلادي العشرين، رحلةَ الحجِّ بعدسته لا بقلمه، مدركاً مفعول المشهد على مطالعيه، فأثّرت أعمالُه أيما تأثير في أوساطٍ عدة غير مسلمة، بعد أن نُشرت في مجلات عالمية مرموقة.

وإذا كان هذا أمرُ الخاصّة؛ فإنّ لعامة المسلمين تعبيرَهم عن الارتباط العاطفي الوثيق بالبلد الحرام، كلّ بحسب بيئته وثقافته وتقاليده، فرأينا البيوتَ وهي تتلوّن بمشاهد للكعبة المشرفة وللمسجد النبوي، كما شهدنا ما يمتازُ به الحجيجُ من الألقاب أو الملابس.

وما كان يؤثر في وجداننا تأثيراً عميقاً، نحن المسلمين في القارة الأوروبية، ذلك الارتباط الحميم الذي جمع المسلمين خلف الستار الحديدي البائد، بالأراضي المقدسة، زادها الله تشريفاً. ففي تلك الدول الشيوعية، التي صادرت الحقوق الدينية وحرمت المسلمين من حرية أداء شعيرة الحج، وضيّقت المنافذ عليهم دونها؛ وجدناهم يتخيّلون البلد الحرام استقاءً من روايات الأجداد المتوارثة، فكانوا مثلاً يعمدون إلى تصوير مكة المكرمة في رسومٍ يتداولونها أو يعلِّقونها، فتأتي المشاهد المكسوّة بالأعشاب الخضراء على جبال مكة أقرب إلى الطبيعة الأوروبية منها إلى الخصائص الحجازية، بما يكشفُ لنا عن ذلك الحرمان القسري الذي مورس بحق المسلمين هناك، بشأن زيارة مقدساتهم وأداء الفريضة، التي هي أحد أركان دينهم الحنيف.

 

الحج .. تجسيد عملي لتكامل الرسالة الإسلامية

إذا كانت رسالة الإسلام تتميّز بالشمول والتكامل والتوازن؛ فإنّ شعيرة الحج تمثل تجسيداً واقعياً لهذه الخاصية العامة.

فإذا كان الحج في جوهره أحد العبادات المفروضة في الإسلام، يكون أداؤها في وقت معلوم وعلى وجه مخصوص؛ فإنّ أركان الإسلام وشعائره الباقية تكاد تجتمع فيه؛ بما يُكثر فيه من كلمة التوحيد قولاً وتمثلاً، وبما يشتمل عليه من أداء للصلوات في أقدس البقاع وأطهرها، وبما فيه من الإنفاق والتصدّق والنحر، وبما تتخلّله من المجاهدة والمكابدة.

والحج رحلة إيمانية فريدة، تتيح لصاحبها تجربةً روحيّةً جديّة وعميقة، يهتزّ لأثرها وجدان الإنسان المؤمن، ومن شأنها بالتالي أن تنعكس على رؤيته للحياة وتعاطيه معها.

كما أنّ الحج يبدو بمثابة مدرسة قيمية، بما تتجلى فيه من القيم الإنسانية الصالحة، كالرحمة، والتعاون، والتعارف، والصبر، والمساواة، والتكافل، والتجرد، والتقشف، والإحسان في التعامل، وغير ذلك من الأبعاد الإنسانية العميقة التي توفر أرضية قيمية مستقرة تشتد إليها حاجة البشر، خاصة وهم يعيشون في عالم سريع التغيّر والتبدّل.

إنّ الحج يعكس أيضاً خصوصية الإسلام في موازنته البديعة بين الفردية والجماعية، فهو عبادةٌ جماعية الطابع، وتتيح في الوقت ذاته مساحةً لائقة بالفرد الذي يجد فيها مناسبة يندر مثيلها للتأمل والتفكر والتدبر.

وفي الحجِّ رسالةٌ واقعيّةٌ بليغةُ الدلالة، تراعي احتياجات الإنسان وبشريّته، إلى الدرجة التي جُعلت معها منافعُ للناس في الحج، لا ضيرَ في سعيهم لها بما لا يخرج عن ضوابط الشرع وأحكامه في هذا الباب (لِيَشهَدوا منافِعَ لَهُم ويَذكُروا اسمَ اللهِ في أيّامٍ مَعلوماتٍ) سورة الحج 28.

والحجُّ فرصةٌ عظيمة الأهمية للتعارف والتلاقي والتشاور، يتحقّق معها مطلب هام لعامة المسلمين وخاصتهم. فإذا كان عموم الحجيج يتعايشون معاً في هذه الأيام المباركة، وإذا كانوا يدركون عالمية رسالة الإسلام وانتشاره من أقصى الأرض إلى أقصاها، مستحضرين قوله تبارك وتعالى (وَما أَرسَلناكَ إلاّ رَحمَةً للعالَمين) سورة الأنبياء 107؛ فإنّ الحجّ خَيْرُ موسمٍ للقاء خاصة المسلمين، من أولي الأمر، وأهل العلم والفكر والرأي والنظر، تحقيقاً للأمر الرباني (وَتَعاوَنوا عَلى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلا تَعاوَنوا عَلى الإِثمِ والعُدوانِ) سورة المائدة 2، وللتشاور في ما بينهم، وتدارس أحوال المسلمين وأمورهم وما استجد منها عاماً في إثر آخر.

وإذا ما أُخِذَت جملةٌ من الأبعاد الضافية بعين الاعتبار؛ سيَجِدُ المرء في الحجِّ حقاً، نموذجاً يُنبئُ بتكاملِ الرسالة الإسلامية ويجسِّدُ توازنَها البديع، بوسع الجميع أن يعيشه واقعاً في تلك الأيام المعدودات، بما يبعث في الأمّة كافة روحاً جديدة في كلِّ حول.

 

الحج .. موسم للتعارف العالمي

ينشغل العالم في الأعوام الأخيرة بمفهوم الحوار بين الحضارات، والتواصل بين الثقافات، وليس من شكّ أنّ شعيرة الحج، بما تشتمل عليه من اجتماع هذه الأعداد الغفيرة من البشر القادمين من شتى بقاع العالم، أو من كلِّ فجٍّ عميق؛ تبقى من أهم الفرص الموسمية المتاحة لإثراء التواصل والتلاقي بين البشر، على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأقطارهم.

ولا يتعلّق الأمر بمجرد اجتماع تلك الملايين من البشر في موسم واحد من كل عام، بل وفي التئامهم وتوحّدهم حول هدف سامٍ، حملهم من أقاصي الدنيا ليكون احتشادُهم على صعيدٍ واحد، وطوافُهم الانسيابيّ المُهيبَ حول الكعبة المشرّفة، واستلهامُهم لأسمى معاني التجرّد من حظوظ الدنيا ومفارقة متاعها الزائل.

إنّه تعايشٌ في أيامٍ معلومات، بعيداً عن التكلّف والتصنّع، فهم يتمثلون في الإزار البسيط غير المخيط قيمةَ المساواةِ الإنسانية، وتنحني جباهُهُم لربِّ الناس، الواحدِ الأحد، وتلهجُ ألسنتُهم بالدعاء والتلبية. إنها المزاوجةُ البديعة بين تألُّقِ الفردِ وسموِّ الجماعة، الفرد الذي يستشعرُ المسؤولية ويسارعُ إلى عملٍ يأمل معه أن يُكتب من الفائزين، والجماعة التي تتوحّد وتأتلف وتتسامى على نحو غير معهود في السياق البشري العام.

 
.
.