.
.
 
 
 
 
ندوة في باريس حول التقويم الهجري في ضوء المعطيات العلمية
 
 

شهدت العاصمة الفرنسية باريس عقد ندوة علمية فقهية عن "التقويم الهجري في ضوء المعطيات العلمية"، لمناقشة قضية تحديد بدايات الشهور الهجرية انطلاقاً من الأسس والآراء الفقهية والعلمية الفلكية في هذا المجال، وذلك بهدف الوصول إلى حلّ يجمع المسلمين ولا يفرقهم لاختلاف آرائهم إزاء هذا الأمر.

عُقدت الندوة في الفترة ما بين 12 – 13 ربيع الأول 1433هـ الموافق 4 – 5 شباط/فبراير 2012، بدعوة من كل من "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، و"اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، و"المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"، وشارك بأعمالها ثلة من كبار علماء الفقه والفلك في أوروبا والعالمين العربي والإسلامي، مقدمين عدة دراسات وبحوث حول موضوعها.

 

معنى الرؤية

وقد ناقش العلماء بموضوعية ومنطقية وتوسّع ما تم طرحه، لتخرج الندوة في النهاية بعدة توصيات، كان أولها التأكيد على أنه لا تعارض بين ثوابت النصوص الشرعية والحقائق العلمية التي هي جميعها من عند الله سبحانه وتعالى (ألا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطيفُ الخَبير).

ومن هذا المنطلق فإن استعمال لفظ "شهد" في القرآن الكريم (فَمَن شَهِد منكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) يدلّ على الحضور والعلم والثبوت الذي يوجب صيام شهر رمضان المبارك، أما الأحاديث النبوية الشريفة التي تأمر بالصوم عند الرؤية فتدل على بيان أهم الوسائل المتاحة لإثبات الشهر، ولا تحمل أي دلالة على منع الاعتماد على الحساب الفلكي العلمي الذي يرصد حركة القمر بدقة.

والحساب الفلكي هنا ليس أبدا ذلك التنجيم المحرم المنهي عنه في أحاديث كثيرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو أدق وأوسع انتشارا من علوم الفلك في العصور السابقة.

وأشار العلماء في هذا الإطار إلى أن الصلاة – التي هي أعظم أركان الإسلام – تحسب يوميا خمس مرات فلكيا بإجماع المسلمين دون الرجوع إلى التأكد من الزوال ورؤيته، وذلك لدقة الحساب الفلكي مقارنة مع الرؤية.

كما أشاروا إلى أن الوسائل في الشريعة الإسلامية تتغير مع ثبوت المقاصد والغايات والقواعد الكلية، ووصف الأمة الإسلامية بالأمية في الأحاديث النبوية يدل على وجوب التخفيف والتيسير، ولا يدل أبدا على وسمها بجهل القراءة والكتابة والحساب، وأول آية نزلت في القرآن أمرت بالقراءة قبل أي شيء آخر (اقرأ).

 

الخلاف مرفوض

وأكد العلماء أنّ الخلافات الكبيرة في تحديد واحدة من أعظم العبادات كالصيام – وقد تصل فروقه إلى ثلاثة أيام – أمر مرفوض، فهو لا يعطي صورة طيبة عن الأمة التي يأمر كتابها وسنتها بوحدة الكلمة والصف بعد توحيد الإله (إنّ هذهِ أُمّتكُم أمّة واحِدة وأنا رَبُّكُم فاعبُدون).

ومن هذا المنطلق رأى العلماء أن قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته التاسعة عشرة التي عقدت بمدينة اسطنبول التركية في الفترة ما بين 8 – 12 رجب 1430هـ، 30 يونيو – 4 يوليو 2009م حول تحديد أوائل الشهور القمرية هو قرار "مقبول فقها ومطلوب لتوحيد الأمة".

كما رأوا أن القرار يحقق الأغراض المنشودة والمقاصد المطلوبة من ضبط للشهور والأعياد، وخاصة بالنسبة لمسلمي أوروبا، حيث يطالبون بتحديد أيام عطلهم لتؤخذ بعين الاعتبار في حسابات مؤسساتهم الحكومية وغيرها.

وأكّدوا أنّ القرار يتوافق مع مقاصد الشريعة ومصالح البلاد والعباد، وهو أيضا محل ثناء علماء الفلك الذين اعتبروه خطوة تاريخية مهمة على طريق إصدار تقويم هجري يتفادى الأخطاء ويحد من خلافات المسلمين ويوحدهم داخل دولهم وخارجها.

ودعا العلماء إلى تفعيل قرار المجلس لما فيه من ضبط وتنظيم لحياة المسلم وتحقيق لمقاصد العبادة الجزئية، وإلى تبنيه لكونه نموذجا فقهيا منشودا في الغرب الذي يراعي خصوصية المسلمين، ويظهر المبادئ الموجهة لفقههم، وفيه أيضا تطلع إلى التعريف بالإسلام والتأصيل لفقه جماعي حضاري.

 

تقويم هجري

كما دعا العلماء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث للتعاون مع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا على إصدار تقويم هجري موحد وشامل، يشارك في إعداده وترتيبه علماء الفقه والفلك وأهل الخبرة، ليوفر الشروط والمقاصد الشرعية والضوابط العلمية.

وفي هذا السياق دعوا إلى تشكيل لجنة دائمة لهذا الغرض، تضم علماء الفقه والفلك وأصحاب الخبرة، وممثلين عن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، وكذلك عن المنظمات الإسلامية في مختلف الدول.

هذا وقد أكّد العلماء في نهاية توصياتهم دعوة الأقليات الإسلامية في أوروبا وداخل كل دولة من دولها إلى نبذ الفرقة لأنها شر وعذاب، والتمسك بالوحدة لأنها خير وبركة، وتقدم لمجتمعاتهم صورا طيبة عن الإسلام والمسلمين.

وحثّوا أئمة وخطباء المساجد ومسؤولي المراكز الإسلامية في أوروبا على توعية المسلمين بأهمية الوحدة ومشروعية الاعتماد على الحساب الفلكي لعدم تعارضه مع النصوص الشرعية.

 
.
.