الأزمة الاقتصادية العالمية .. ما الذي ينبغي علينا التنبّه إليه؟

2011.10.09

شكيب بن مخلوف

رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

(1)

إنّ الأثر الأهمّ للأزمة الاقتصادية العالمية ليس تراجع الأرباح وانحسارها، وإنما اتساع رقعة الفقر والجوع والمرض. 

فالتقارير الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة تحذر من أنّ الملايين من الأشخاص سينضمّون إلى خانة الفقراء، وقائمة الجياع، والمهددين بالتالي بالحرمان من الرعاية الصحية اللائقة.

هذا، على الأرجح، هو الثمن الأفدح للأزمة الاقتصادية العالمية. ولذا فإنّ علينا استشعار التطوّرات القادمة والتأثيرات القائمة بعناية، وأن نتحقق كذلك من أنّ معالجة الأزمة لا تجري على حساب الفئات الأضعف.

وفي ظل التوقعات الراهنة التي تشير إلى تفاقم ظاهرة الفقر في كل المجتمعات، مع ارتفاع مؤشرات البطالة وتزايد أسعار المواد الغذائية؛ يكون من المطلوب البحث عن خيارات متجددة، تمثل "شبكات أمان" للبشر الذين يندفعون قسراً إلى خانة الفقر والجوع والجهل والمرَض.

(2)

لكنّ المؤكد أنّ للأزمة ضريبتها الاجتماعية. أي أنه وقتٌ لمضاعفة الجهد في حقول الرعاية الاجتماعية والتضامن الإنساني. وإنّ التضامن يعني كذلك الاستعداد للتنازل عن بضع نقاط من عاداتنا الاستهلاكية إن تطلّب الأمر، إذا كان في ذلك النفع لشركاء مجتمعنا وإنسانيتنا، بل ولبيئتا المتدهورة وكوكبنا الذي يشكو المتاعب جراء ضمور المسؤولية وسوء الإدارة.

إنّ الضريبة الاجتماعية للأزمة تعني أنّ المسؤولية تملي علينا أن ندفع أكثر لصالح الآخرين الواقعين في أسر الفقر أو المهددين به، وأن نسعى في خدمتهم أكثر، وأن نتداعى لملء الفراغات الهائلة التي سببتها الأزمة الاقتصادية. لنتذكر فقط أنّ في أحيائنا السكنية هناك من يفقدون وظائفهم كل يوم، أو يضطرون للأعمال الجزئية التي تبقيهم على حافة الفقر بدلاً من الدوام الكامل. لنتأمل في أولئك الذين انحسرت مداخليهم أو تفاقمت خسائرهم وباتوا ينزاحون كلّ يوم إلى الهامش أكثر فأكثر. ولنتأمل حال عشرات، بل مئات الملايين من البشر، الذين يعتمدون على تحويلات ذويهم المهاجرين إلى الدول الصناعية. من يعيل هؤلاء إذا ما توقفت المصانع والمشاغل وتعثرت المصالح التجارية وقطاعات الخدمات؟!.

إنّه وقت التضامن إذاً، وقت التكافل، الذي علينا جميعاً أن نتجاوب مع مسؤولياته. لكنّ ذلك لا يعني إعفاء الدولة من مسؤولياتها. فالرعاية الاجتماعية، والصحة والتعليم وشتى الخدمات، مسؤوليات على الدولة توفيرها، وعلى أفضل وجه. وإنّ مئات المليارات التي تم تخصيصها لمؤسسات المال والأعمال يكشف عن جاهزية لا ينبغي أن تقتصر على عنوان واحد وتستثني الشرائح المهددة من الأزمة تهديداً مباشراً.

(3)

إنّ الضريبة الاجتماعية للأزمة لها متلازماتها. فقد توالت إلينا في الأسابيع الأخيرة أنباء المآسي التي تلاحقت في أوروبا وأمريكا، جراء تفاعلات الأزمة الاقتصادية. نعني هنا تلك التصرّفات الدامية التي أقدم عليها القانتون من حياتهم بعد أن تم تسريحهم من وظائفهم وأعمالهم. مزيد من الضحايا سقطوا ويسقطون، ليس لأنّ الأزمة كانت قاسية عليهم، بل لأنّ نافذة الأمل لم تكن قد انفتحت لهم. إنّ المؤمن حقاً لا يفتك به الفقر مهما ضاقت به الحال، ذلك أنّ نافذة الأمل تبقى مفتوحة أمام ناظريه. ومن هنا فإنّ علينا توفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك ذوي الذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم أو خسروا أملاكهم وأموالهم أو تراجعت مداخليهم ومدخراتهم.

وما ينبغي أن نتنبّه إليه أيضاً؛ هو أنّ علينا جميعاً أن نصون الأسرة في هذه المرحلة الصعبة، فالأسرة لا ينبغي أن تدفع الثمن وتتكبّد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

(4)

لاشكّ أنّ عودتنا في أوروبا إلى تجارب الماضي تقدِّم لنا الكثير من العِظات التي بوسعنا الانتفاع بها. فمما نعلمه أنّ أزمة الكساد الكبير قبل ثمانين سنة، وفّرت تربة تغذت منها النزعات العنصرية التي هيمنت على الحكم في بعض دول أوروبا. كما أنّ هناك من يرى أثراً للأزمة الاقتصادية التي عرفتها أوروبا في السبعينات في بروز حمّى "كراهية الأجانب". والعبرة هنا؛ أنّ البطالة والفقر تفتح الباب على مصراعيه أمام مثيري الضغائن في المجتمع الواحد، ولأسباب انتخابية محضة أحياناً. وذلك يفرض علينا عدم التهاون في التنديد بخطاب الكراهية والتحريض والتشويه، والذي يشعر مسلمو أوروبا بصفة خاصة أنهم مستهدفون به.

(5)

إنّ الأزمة الاقتصادية العالمية، مدعاة للمراجعة والمساءلة. فلا ينبغي الانكباب على احتواء الأزمة دون الوقوف عند الأسباب التي أفضت إليها، وهي أسباب من صنع البشر على أي حال. إنها أسباب متعددة ومتضافرة، وإذا كان منها ما يتعلق بالنظم أو ما هو إجرائي؛ فإنّ منها ما هو قيمي ومبدئي كذلك.

بهذا فإنّ الأزمة المالية العالمية تملي علينا المراجعة واستلهام العبر، وكذلك المساءلة في سياق البحث عن العلل، ويبدو أنّ بعضها لا زال كامناً تحت السطح.

لعلّ أشقّ مظاهر هذه الأزمة؛ أنّ أحداً من الخبراء ليس بوسعه الجزم بعمقها، أو مداها الزمني، أي ما مدى الضرر القائم وما احتمالات تفاقمه، وكم من الوقت ستستغرقه الأزمة؟!. إنّ النظام العالمي اليوم يمنح الانطباع أحياناً بانعدام الوسيلة؛ باستثناء ضخّ أموال فلكية يصعب تخيّل قيمتها الحقيقية.

(6)

لا ينبغي أن نغض النظر عن أنّ الأزمة المالية العالمية جاءت بعد عهود من هيمنة شعارات برّاقة من قبيل "الوقت مال" (Time is Money)، وما صاحبها من تطبيقات البحث عن الثراء السريع، ولو بالمضاربات غير المسؤولة بأقوات الناس وطعامهم اليومي. أما اليوم فقد فوجئ أكثرنا بهشاشة النظام المالي العالمي، خاصة وأنّ العالم، حتى سنوات قليلة خلت، كان مأخوذاً بالمقولات والشعارات التي تبشر بوعود العولمة الاقتصادية، وانفتاح الأسواق، وحرية التجارة، ورفع القيود على تدفق رؤوس الأموال والسلع والخدمات (دون البشر واليد العاملة بالطبع). لا نحتاج إلى جرأة كي نقرِّر أنّ هذه الوعود قد أصبحت عبئاً على مطلقيها، خاصة وأنّ "الحمائية" (Protectionism) هي وصفة المرحلة، بل إنّ ما نشهده كذلك هو عودة القطاع العام عبر عمليات تأميم تجري تحت لافتة الإنقاذ من الانهيار.

(7)

ما زلنا نعتقد أنّ اقتصاد العالم قابل للتعافي، طال الزمان أم قصر، وأنّ الأزمة مهما كانت حادّة قد يجري تجاوزها يوماً ما ولو طال بها العهد. فهذه ليست نهاية التاريخ، تماماً كما أنّ مزاعم "نهاية التاريخ" التي أُطلقت في مطلع التسعينيات قد تبخّرت إلى غير رجعة، بعد أن تحقق الجميع أنّ التاريخ لم ينته بعد.

مع ذلك فلا بدّ من القول إنّ النظم الاقتصادية والمالية السائدة التي اعتبرها كثيرون في ما مضى إنجازاً باهراً، ارتبطت في واقع الأمر بمتلازمات مقلقة، من قبيل التفاوت المذهل في مجتمعنا الإنساني. فكلما ارتفعت ناطحاتُ السحاب ازدادت بؤر الفقر توسّعاً. والحقيقة التي لا يمكننا تجاهلها؛ هي أنّ هناك اليوم في عالمنا؛ أفراد قلائل يملكون من المال ما لا تملكه عشرات الدول. هل هذه هي حصيلة الطموح البشري في العدالة؟ هل هذا هو مآل شعارات العدالة الاجتماعية التي ارتفعت غرباً وشرقاً؟

(8)

من الواضح أنّ الأزمة المالية الجارفة قد جعلتنا وجهاً لوجه إزاء حالة شديدة الخطورة، يبلغ فيها حجم الإنفاق العام من أموال دافعي الضرائب أرقاماً فلكية لم يَعد بوسع أحدنا احتسابها، وذلك لاستدراك أخطاء الممسكين بزمام العملية المالية والاقتصادية. وكان لا بدّ أن يكون صوت القيم والمبادئ مسموعاً بوضوح، للتنبيه إلى المخاطر قبل وقوعها.

ولذا فإنّ الأزمة المالية العالمية، التي ندفع اليومَ جميعاً ثمنَها الباهظ، هي تعبير عن إخفاقات مركّبة في خلفية المشهد الذي يتراءى لنا. إنها إخفاقٌ في أخلاقيات الممارسة المالية؛ وإخفاقٌ في قدرة نُظُمِنا الإدارية المتطوِّرة على كبح جماح التدهور قبل فوات الأوان؛ وإخفاقٌ لقدراتنا التخطيطية والاستشعارية في استكشاف الخلل في الوقت الملائم. لكنّ الإخفاقَ الأهمّ هو ما يتّصل بالالتزام الأخلاقي والمسؤولية الأدبية لمن بأيديهم كثيرٌ من أموال الناس وأقواتهم. فمن هؤلاء من مَضَوا في المسارات الاقتصادية والمالية، التي تشكل عصب الحياة البشرية، خاضعين لمَنطقِ تحقيقِ الأرباح، حتى لو ترافق ذلك مع صور الجشع والاستغلال التي تأتي على حساب الإنسان ذاته ومجتمعه.

خلاصـات:

  • إنّ الأثر الأهمّ للأزمة الاقتصادية العالمية ليس تراجع الأرباح وانحسارها، وإنما اتساع رقعة الفقر والجوع والمرض. ولذا فإنّ علينا استشعار التطوّرات القادمة والتأثيرات القائمة بعناية، وأن نتحقق كذلك من أنّ معالجة الأزمة لا تجري على حساب الفئات الأضعف. ومن المطلوب البحث عن خيارات متجددة، تمثل "شبكات أمان" للبشر المتضررين.
  • للأزمة ضريبتها الاجتماعية. أي أنه وقتٌ لمضاعفة الجهد في حقول الرعاية الاجتماعية والتضامن الإنساني. وإنّ التضامن يعني كذلك الاستعداد للتنازل عن بضع نقاط من عاداتنا الاستهلاكية إن تطلّب الأمر، إذا كان في ذلك النفع لشركاء مجتمعنا وإنسانيتنا، بل ولبيئتا المتدهورة وكوكبنا الذي يشكو المتاعب جراء ضمور المسؤولية وسوء الإدارة.
  • لنتذكر فقط أنّ في أحيائنا السكنية هناك من يفقدون وظائفهم كل يوم، أو يضطرون للأعمال الجزئية التي تبقيهم على حافة الفقر بدلاً من الدوام الكامل. لنتأمل في أولئك الذين انحسرت مداخليهم أو تفاقمت خسائرهم وباتوا ينزاحون كلّ يوم إلى الهامش أكثر فأكثر. إنّه وقت التضامن إذاً، وقت التكافل، الذي علينا جميعاً أن نتجاوب مع مسؤولياته. لكنّ ذلك لا يعني إعفاء الدولة من مسؤولياتها.
  • إنّ الضريبة الاجتماعية للأزمة لها متلازماتها. ومن هنا فإنّ علينا توفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين من الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك ذوي الذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم أو خسروا أملاكهم وأموالهم أو تراجعت مداخليهم ومدخراتهم.
  • ما ينبغي أن نتنبّه إليه أيضاً؛ هو أنّ علينا جميعاً أن نصون الأسرة في هذه المرحلة الصعبة، فالأسرة لا ينبغي أن تدفع الثمن وتتكبّد الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
  • إنّ البطالة والفقر تفتح الباب على مصراعيه أمام مثيري الضغائن في المجتمع الواحد، ولأسباب انتخابية محضة أحياناً. وذلك يفرض علينا عدم التهاون في التصدي لخطاب الكراهية والتحريض والتشويه.
  • إنّ الأزمة الاقتصادية العالمية، مدعاة للمراجعة والمساءلة. فالأزمة تملي علينا المراجعة واستلهام العبر، وكذلك المساءلة في سياق البحث عن العلل، ويبدو أنّ بعضها لا زال كامناً تحت السطح.
  • لعلّ أشقّ مظاهر هذه الأزمة؛ أنّ أحداً من الخبراء ليس بوسعه الجزم بعمقها، أو مداها الزمني، أي ما مدى الضرر القائم وما احتمالات تفاقمه، وكم من الوقت ستستغرقه الأزمة؟!.
  • فوجئ أكثرنا بهشاشة النظام المالي العالمي، خاصة وأنّ العالم، حتى سنوات قليلة خلت، كان مأخوذاً بالمقولات والشعارات التي تبشر بوعود العولمة الاقتصادية، وانفتاح الأسواق، وحرية التجارة، ورفع القيود على تدفق رؤوس الأموال والسلع والخدمات. لا نحتاج إلى جرأة كي نقرِّر أنّ هذه الوعود قد أصبحت عبئاً على مطلقيها.
  • إنّ النظم الاقتصادية والمالية السائدة التي اعتبرها كثيرون في ما مضى إنجازاً باهراً، ارتبطت في واقع الأمر بمتلازمات مقلقة، من قبيل التفاوت المذهل في مجتمعنا الإنساني. وهناك اليوم في عالمنا؛ أفراد قلائل يملكون من المال ما لا تملكه عشرات الدول. هل هذه هي حصيلة الطموح البشري في العدالة؟ هل هذا هو مآل شعارات العدالة الاجتماعية التي ارتفعت غرباً وشرقاً؟

إنّ الأزمة المالية العالمية، التي ندفع اليومَ جميعاً ثمنَها الباهظ، هي تعبير عن إخفاقات مركّبة في خلفية المشهد الذي يتراءى لنا. إنها إخفاقٌ في أخلاقيات الممارسة المالية؛ وإخفاقٌ في قدرة نُظُمِنا الإدارية المتطوِّرة على كبح جماح التدهور قبل فوات الأوان؛ وإخفاقٌ لقدراتنا التخطيطية والاستشعارية في استكشاف الخلل في الوقت الملائم. لكنّ الإخفاقَ الأهمّ هو ما يتّصل بالالتزام الأخلاقي والمسؤولية الأدبية لمن بأيديهم كثيرٌ من أموال الناس وأقواتهم.

التصنيفات: