رسالة من رئيس الاتحاد عن الأئمة والدعاة والمساجد والمراكز الإسلامية

2011.10.14

الحمد لله رب العالمين، والصلاةُ والسلامُ على النبيّ الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، .. وبعد،

قال الله تبارك وتعالى في مُحكَم التنزيل (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ) النور 36 ـ 38.

أتوجّه ابتداءً إلى الأئمة الأفاضل والدعاة الأكارم في أوروبا، وإلى الداعيات والمرشدات والمربِّيات الفُضلَيات، أتوجّه إليهم وإليهنَ جميعاً بالإعراب عن تقديرنا في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، عن تقديرنا لدورهم وتثميننا لجهدهم. فهم يواصلون مسيرةً مباركة على درب الأنبياء، ففي طريق هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة؛ نزل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقُباء، وأقام أوّل مسجدٍ في الإسلام، فكان أولَ مسجد أُسِّس على التقوى كما ذكر القرآنُ الكريم.

ثم كان أوّل ما شرع به النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند وصوله المدينة المنورة؛ هو إقامةُ المسجد النبوي الشريف، فكان ركيزةً أساسية من ركائز إقامة المجتمع الجديد ذي الفضاء التعدّدي الذي اتسع للمسلمين وغير المسلمين على قاعدة الاحترام المتبادل والحقوق والواجبات التي تمليها المواطنة.

ولم يكن المسجد موضعاً لأداء الصلوات فحسب؛ بل كان مدرسة وجامعة، يتلقّى فيه المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدةً لإدارة جميع الشؤون، ومجلساً للتشاور والتنفيذ. بل كان المسجد النبوي مع هذا كله داراً يسكن فيها عدد كبير من الفقراء الذين لم يكن لهم دارٌ ولا مال وأهل ولا بنون، وقد فتحَ المسجدُ أبوابَه لغير المسلمين أيضاً، كما تُنبِئنا بذلك سيرةُ رسولنا صلى الله عليه وسلم.

وقد أوضح الارتباط بين الهجرة وإقامة المساجد؛ كم يرتبط دور المسجد بتحقيق الطمأنينة وتثبيت الاستقرار وتعميق الوجود المنفتح، لأنّ العهد المكي بما شهده من اضطهاد للمؤمنين وطغيان عليهم واستئصال للتوحيد وملاحقة للموحدين؛ لم يُتِح المجالَ لعمارة المساجد ونهوضِها بدورها المنتظر منها. وبهذا؛ فقد كانت الصلاةُ في مسجد قباء نقطةَ تحوّل في التاريخ الإسلامي بين عهد المحنة والخوف والمعاناة؛ وعهد الاستقرار والأمن والطمأنينة والمشاركة الجامعة.

وإنّ المسلمين في أوروبا، في اتجاههم لإقامة المساجد والمراكز الإسلامية، بمواصفاتها المعمارية اللائقة بها وبما تشتمل عليه من مرافق وخدمات؛ إنما يجسِّدون بذلك صورةً من صور الاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم الأوروبية، ويعبِّرون أيضاً عن حضور لائق ضمن فضاء المواطنة التي ينبغي أن تتّسع للجميع في رحاب القانون والحقوق العامة والخاصّة والحريات الدينية والشخصية. ولا ريب أنّ نهوض المساجد والمراكز الإسلامية بدورها على النحو الأمثل؛ إنّما يمثِّل خدمةً لفئات المسلمين، ودعماً للتماسك المجتمعي، وينطوي أيضاً على إشعاعٍ على الجمهور على اختلاف مشاربه، ويشتمل كذلك على فُرَصِ التواصل المتبادل معه.

إننا نستذكر في هذا المقام، ما وجّهنا إليه كتابُ الله تعالى، وما نستلهمه من السيرة النبوية العطرة، على صاحبها أفضلُ الصلاة وأتمّ التسليم، من الدعوةِ إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والتِماس التجرّد والإخلاص، واستشعار ثقل المسؤولية وعظم الأمانة في تبليغ رسالة الإسلام والتعريف بقيمه السامية، وتحرِّي الوسطية فكراً وممارسة.

وإنّ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الكثير ممّا يحضّ المسلمين على التعاون على البر والتقوى؛ ويدعو العاملين للإسلام في البلاد الأوروبية على جمع الكلمة والائتلاف على الحقّ، والاعتصام بحبل الله جميعاً ونبذ التفرّق، والتركيز على القضايا الهامّة والمصيرية.

والله تعالى نسأل أن يبارك في كافّة الجهود الخيِّرة، وأن يعيننا جميعاً على الصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

أخوكم/ شكـيب بن مخـلوف

رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

التصنيفات: