عن تطوّر الوجود المسلم الجديد في أوروبا

2011.10.09

الأستاذ أحمد الراوي

بالعودة إلى أواسط القرن العشرين؛ يتّضح أنّ الوجود المسلم الحديث في أوروبا نشأ ضمن مجتمعات كلِّ بلد على حدة، وارتبطت قصّة النشأة تلك بحالة كلِّ بلد أوروبي، رغم وجود ملامح مشتركة لتجربة نشأة الحضور المسلم بين بعض البلدان الأوروبية في هذا الشأن.

وقد تبلوَر الوجود المسلم أساساً وفق محدِّدات الفضاء الداخلي للدولة القُطرية الأوروبية. ويمكن في هذا الصدد ملاحظات التباينات الواضحة والتمايزات الملموسة بين الشكل العام لتجربة النشأة والتبلوُر التي طبعت الوجود المسلم في بريطانيا وفرنسا والسويد وإيطاليا، على سبيل المثال لا الحصر. فالحضور المسلم في كل دولة منها تأثر بظروف وملابسات غير متطابقة مع نظيراتها من الدول، حتى مع الملامح المشتركة التي لا يمكن إغفالها أيضاً.

لم يكن التوجّه الأوّلي في تجارب المسلمين في كل بلد أوروبي على حدّة متعلقاً بإقامة المؤسسات بصورتها الحديثة، وإنما بإيجاد ما يلبِّي الاحتياجات الدينية والتعليمية الأساسية، كالمساجد (غالباً بمواصفات متواضعة) والمصلّيات ومدارس نهاية الأسبوع لتعليم القرآن الكريم والدين الإسلامي، علاوة على فرص الحصول على اللحم الحلال. لكن مع الزيادة العددية التي طرأت على الوجود المسلم، وكذلك مع التجذّر الزمني وتعمّق حضور المسلمين في واقع البلدان الأوروبية كلّ على حدة؛ تبلوَر الاتجاه إلى إقامة المراكز الإسلامية الجامعة والمساجد الكبيرة ذات المواصفات اللائقة، وكذلك المدارس الإسلامية (خاصة للمراحل الابتدائية والمتوسطة). وقد غلب العامل المحلِّي على هذه التجارب، أي لم تتبلور في غضون ذلك فرص فعلية للتكامل والتواصل بين مسلمي أوروبا.

ومع نهاية الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات من القرن العشرين، طرأ تحوّل ملموس في واقع المسلمين في عدد من بلدان أوروبا، باتجاه "المأسَسة"، أي إقامة المؤسسات التي جاءت غالباً جامعة في اهتماماتها وميادين عملها، كما تبلوَرت شيئاً فشيئاً بعض المؤسسات التخصصية، وظهر الاتجاه نحو إيجاد أطر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري. وفي واقع الأمر؛ فإنّ هذا الاتجاه برز مع تعزّز إرادة الاستقرار والتوّجه نحو "توطين" الحضور المسلم في أوروبا، والنظرة الجديدة إلى هذا الحضور باعتباره مستقراً ودائماً وليس عارضاً ومؤقتاً. والحقيقة أنّ هذا التحوّل كان في النظرة والإدراك، أمّا الواقع فكان يتّجه بالفعل إلى الاستقرار مع نشوء ثلاثة أجيال من المسلمين في بلدان أوروبية لم تعرف وجوداً تاريخياً للمسلمين فيها. ولعلّ ما يلفت الانتباه في هذا الصدد؛ أنّ مرحلة التحوّل تلك تجسّدت في أوروبا الغربية، بينما شهدت أوروبا الشرقية تحوّلاً من نمط آخر للوجود المسلم (التاريخي غالباً) فيها، بحضوره الجديد بعد تلاشي الحقبة الشيوعية، وبالتالي تمّ تجديد الحضور المسلم في عدد من بلدان شرق أوروبا خلال ذلك رغم ما شهدته تلك المرحلة من حروب وأزمات طاحنة كان المسلمون أبرز ضحاياها.

يمكننا الإشارة إلى أنّ نشأة "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) في أواخر الثمانينيات، هو التعبير الأبرز عن الاتجاه نحو إيجاد أطر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري. كما أنّ إقامة "الكلية الأوروبية للدراسات الإسلامية" (في شاتوشينون بفرنسا أولاً وفي مراكزها الإضافية بباريس وويلز لاحقاً) هو نموذج على الاتجاه نحو إقامة المؤسسات التخصصية الإسلامية ذات الحضور الأوروبي.

لقد شهد عقد التسعينيات وما تلاه تطوّراً كبيراً في توجّهات الاستقرار والمواطنة ضمن واقع مسلمي أوروبا، وقد ترافق ذلك مع تعزّز الاتجاه نحو التواصل والتنسيق والتعاون على امتداد الوجود المسلم في القارة الأوروبية. ومن الملاحظ أنّ ذلك قد تماشى مع توجّه المسلمين في كل بلد أوروبي على حدة لتشكيل مؤسسات تعبِّر عنهم تكون ذات صفة تمثيلية. ففي بريطانيا على سبيل المثال نشأ "المجلس الإسلامي البريطاني" (MCB) في أواخر 1996 وبدايات 1997، وهو مظلة مؤسسية مثّلت في حينه تجربة غير مسبوقة في جمع كلمة المسلمين وتنسيق مواقفهم والتعبير عنهم أمام الدولة والمجتمع والإعلام. لكنّ التجارب التمثيلية أو التنسيقية، التي نشأت في واقع الوجود المسلم في هذا البلد أو ذاك، تفاوتت في مدى نجاحها وتماسكها، وتباينت في قدرتها التمثيلية وقابليتها للتعبير عن الواقع الفعلي للمسلمين ومصالحهم، وهو ما يعود على أي حال إلى عوامل ذاتيّة وموضوعيّة عدّة تقتضي الدراسة والتحليل باستفاضة في مقام آخر.

مع ذلك؛ فإنّ هناك تجارب ناجحة وفاعلة، لا يمكن إغفالها، منها قيام مؤسسات إسلامية أوروبية تخصصية أو قطاعية، نذكر من بينها "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث" (ECFR) ومقرّه دبلن (تأسّس عام 1997)، و"اتحاد المنظمات الطلابية والشبابية الأوروبية المسلمة" (FEMYSO) ومقرّه بروكسيل (تأسّس عام 1998)، و"المنتدى الأوروبي للمرأة المسلمة" (EFMW)، ومقرّه بروكسيل (تأسّس عام 2006)، وغيرها من الأطر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ؛ بل شهد الوجود المسلم في أوروبا تطوّراً في اتجاه التواصل والتعاون والتنسيق، عبر مظاهر عدة تضاف إلى ما سبقت الإشارة إليه، مثل:

- عقد المؤتمرات والندوات الجامعة التي تناقش مسائل بعينها من بين الاهتمامات والقضايا المشتركة لمسلمي أوروبا، ومن أمثلتها "ندوة التربية الإسلامية للأبناء في أوروبا" المنعقدة في جنيف في حزيران/ يونيو 2001، و"مؤتمر الأئمة في أوروبا" المنعقد في فيينا في نيسان/ أبريل 2006، ومؤتمر "المسلمون والمشاركة السياسية في أوروبا" المنعقد في اسطنبول في تموز/ يوليو 2006، وغيرها كثير من المؤتمرات والندوات. ولا يتعلّق الأمر هنا فقط بالبحوث والمداولات التي تتضمّنها تلك المؤتمرات والندوات؛ وإنما كذلك بما يتخلّلها من فرص للتواصل والتنسيق والتعاون بين النخب المسلمة في أوروبا ومسؤولي المؤسسات الإسلامية وممثليها. كما يُشار هنا باهتمام إلى صدور بيانات وإعلانات مشتركة.

- صدور "ميثاق المسلمين في أوروبا" (Muslims of Europe Charter)، في عام 2006. فهذا الميثاق مُعتَمد من قبل مئات المؤسسات الإسلامية في عموم القارة الأوروبية، بما فيها كبريات المنظمات على الصعيد الأوروبي المركزي، والتي تدير المئات، بل آلاف، المساجد والمصليات والمراكز الإسلامية في أرجاء القارّة. وحسب ما ورد في مقدِّمة ميثاق المسلمين في أوروبا؛ فإنه منذ مطلع سنة 2000، تداول "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا لوضع ميثاق للمسلمين في أوروبا، يحدِّد منطلقات عامة للفهم الإسلامي، ويبيِّن قواعد لاندماج المسلمين في المجتمع في إطار المواطنة. وقد شكّل الاتحاد لجنة لإعداد المشروع، الذي تمّت مناقشته في مؤسّساته القيادية، ثم عُرِض المشروعُ على العديد من الهيئات الإسلامية الأوروبية، التي اجتمع مندوبون عنها في ندوة جامعة بمدينة بروكسل في كانون الثاني/ يناير 2002، ثم وقع تعميم المشروع على أكبر عدد ممكن من المؤسسات الإسلامية الأوروبية التي لم يتيسّر لها حضور ندوة بروكسل لإبداء ملاحظاتها واقتراحاتها. وبعد اعتماد التعديلات وإدراجها، تم التوصل إلى الصيغة النهائية للميثاق بصورته الحاضرة، ووقّعت عليه مؤسسات في 28 قطراً أوروبياً، في ما ظلّ التوقيع على الميثاق مفتوحاً لكل المؤسسات التي تقرِّر اعتماده.

وبهذا نستطيع أن نتعرف على مرحـلة النشـأة (من أواسط القرن العشرين وحتى الثمانينيات منه)، وقد اتسم الوجود المسلم الأوروبي خلالها بطابعه المحلِّي وعدم توفّر فرص فعلية أو آفاق مرئيّة لإنضاج تجربة تعاون وتنسيق على مستوى الوجود المسلم الحديث في أوروبا؛ الذي كان وقتها ما زال يخطو خطواته الأولى ومنشغلاً بالاحتياجات والمتطلبات الأساسية التي ترافق أطوار النشوء والتشكّل. ثم جاءت مرحلة التحوّل (مع نهاية الثمانينيات وحتى أواسط التسعينيات من القرن العشرين)، وهو تحوّل كان ملموساً في واقع المسلمين في عدد من بلدان أوروبا، باتجاه الدخول إلى تجربة "المأسَسة" في الواقع المحلي، مع ظهور الاتجاه نحو إيجاد أُطُر مؤسسية للمسلمين في أوروبا تتجاوز النطاق القُطري، وذلك بالتلازم مع تعزّز إرادة الاستقرار والتوّجه نحو "توطين" الحضور المسلم في أوروبا. ثم جاءت مرحلـة التَبلْـوُر (عقد التسعينيات وما تلاه)، لتكون امتداداً لمرحلة التحوّل وتداخلاً معها من الناحية الزمنية. وقد شهدت هذه المرحلة تطوّراً كبيراً في توجّهات الاستقرار والمواطنة ضمن واقع مسلمي أوروبا، وقد ترافق ذلك مع تعزّز الاتجاه نحو التواصل والتنسيق والتعاون على امتداد الوجود المسلم في القارة الأوروبية. لقد نما الوعي في أوساط مسلمي أوروبا بوجود خصوصية مشتركة أو بوحدة الحال وبضرورات التلاقي والتنسيق والتعاون، وكذلك بأهمية تعزيز التوجه المنفتح على النسيج المجتمعي في بلدان أوروبا. وبهذا؛ تنفتح هذه المرحلة على آفاق جديدة لنمو تجارب الوجود المسلم على الصعيد الأوروبي، وهي آفاق لها فرص وهناك ما يشجعها، ولكن تحفّها بالمقابل كثير من الصعوبات والتحديات.

التصنيفات: