الأسرة المسلمة في أوروبا بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والعادات الموروثة

2011.10.08

الدكتور أحمد جاء بالله

إنّ من المسلّمات الثابتة المُتفق عليها بين جميع الناس، على مرّ العصور واختلاف البيئات وتبايُن المعتقدات والثقافات، أنّ الأسرة تُعتبر حجر الزاوية في بناء أيِّ مجتمع بشري، وأنه بناء على ذلك، لابد من حفظ كيانها ودعم أسسها، من أجل تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وضمان التوازن النفسي للفرد في جميع مراحل حياته.

وتأكيداً لمكانة الأسرة وأهميتها، قام المنهج الإسلامي بتوفير كلِّ الضمانات التي من شأنها أن تبني الأسرة على أسس متينة، وأن تضمن استقرارها وتأثيرها الإيجابي في مسيرة المجتمع ككلّ.

وإنّ الناظر في أوضاع المسلمين في أوروبا، وفي الغرب عموماً، وما يحتاجونه من الأسباب الضرورية للحفاظ على هويّتهم الإسلامية، يُدرِك أنّ من أهمّ الأولويات التي يجب أن تتّجه إليها الجهود، هي العناية بالأسرة المسلمة والعمل على رعاية خصوصيّاتها عبر الأجيال المتلاحقة.

وإنّ ممّا يؤكد ضرورة العناية بالأسرة المسلمة في أوروبا أمور منها:

ـ إنّ الأسرة المسلمة تُعتبر المحضن الأول لتربية الأبناء تربيةً إسلامية، بل إنه يقع على عاتقها في البيئة الغربية، الدور الأكبر في هذا المجال، لأنها لا تجد دعماً لدورها من المجتمع المحيط، بمؤسّساته التربوية والثقافية، بل تعترضها من التحدِّيات في البيئة الاجتماعية ما يزيد من تعقيد دورها ووظيفتها، فكيف تستطيع الأسرة المسلمة أن تورِّث رصيدها من المبادئ والقِيَم الإسلامية للأجيال الجديدة من الأبناء، دون أن تعزلهم عن مجتمعهم الذي يعيشون فيه وينتمون إليه؟ وكيف يمكن للأسرة أن تنجح في إقامة المعادلة القائمة على الحفاظ على الهوية مع النجاح في عملية الاندماج الإيجابي لأبنائنا في مجتمعاتهم؟

ـ إنّ حداثة الوجود الإسلامي في أوروبا عموماً، وضعف إمكانياته ومحدودية مؤسساته التربوية والدعوية، يكاد يجعل الأسرة المسلمة موكولة إلى نفسها في القيام بدورها التربوي.

ومع أنّ للمؤسسات الإسلامية محاولات عدّة في العناية بالنشء، إلاّ أنّ هذه الجهود لا تزال محدودة وينقصها في كثير من الأحيان الاحتراف والتخصّص، كما أنها لا تغطِّي إلاّ دائرة صغيرة من عموم المسلمين، في حين أنّ الحاجة تقتضي أن يتوسّع الاهتمام ليشمل أكبر عدد ممكن من المسلمين وأبنائهم.

ـ إنّ الأسرة المسلمة في أوروبا تعيش اليوم مرحلة انتقالية تحتاج فيها إلى دعم وتوجيه، فالجيل الأول من المهاجرين المسلمين الذين قَدِموا إلى المجتمعات الأوروبية واستقرّوا فيها، اصطحبوا معهم تراثاً تربوياً وعادات اجتماعية، كانت هي منطلقهم في تربية أبنائهم، وهم لا يملكون غير ذلك الرصيد الذي جاؤوا به. وكونهم يعيشون في الغالب في معزل عن المجتمع، ويجهلون الكثير من أعرافه وعاداته، فإن ذلك ولّد لديهم حالة من الخوف على أبنائهم من أن يفقدوا خصوصيّاتهم الدينية والثقافية، فتجدهم في حالة من التهيّب الدائم للدفاع عن أنفسهم من عوامل التأثير الخارجية، ولكنّ أبناءهم، الذين التحقوا بالمدارس العامة واحتكّوا بالمجتمع عن قُرب، لا يجدون أنفسهم في الموقف نفسه الذي عليه آباؤهم. ومن هنا تنشأ كثير من الإشكاليات بين حرص الأسرة على ما تعتبره ضوابط ضرورية لحماية الأبناء، وبين البحث عن التوازن لدى هؤلاء الأبناء، وهم يحاولون التوفيق بين ولائهم للأسرة وقيمها، وبين انتمائهم للمجتمع ومقتضيات ذلك.

ومن مظاهر المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها الأسرة المسلمة اليوم، أنّ أبناء الأمس وبناته أصبحوا آباء وأمّهات اليوم، وهم مدعوّون بدورهم إلى تربية أبنائهم تربية إسلامية، ولكنّ هذه التربية ستكون مختلفة في بعض مضامينها وأساليبها، عمّا تربَّوْا عليه، سيكون هؤلاء بلا شكّ أقدر من آبائهم وأمّهاتهم على فهم نفسيات أبنائهم وطبيعة التحدِّيات التي تواجههم في الواقع، غير أنّ أغلبهم لا يملك رصيداً كافياً من الثقافة الإسلامية التي يحتاج إليها أبناؤهم. إنّ هذا الوضع الذي عليه الأسرة المسلمة في أوروبا يقتضي توفير عناية مزدوجة تتجه إلى الجيل الأوّل من الآباء لمساعدتهم على حُسن القيام بوظيفتهم التربوية، وإلى الجيل الثاني من الآباء بتهيئة الأجواء والمضامين التربوية اللازمة التي تُعينهم على أداء دورهم التربوي.

إنّ التجربة التي تمرّ بها الأسرة المسلمة في أوروبا اليوم في مجال تربية الأبناء، سوف تؤسِّس لنموذج أو نماذج تربوية جديدة تعطي للأسرة المسلمة الأوروبية شخصيّتها المتميِّزة، وذلك من خلال إقامة التوازن الضروري بين مقتضيات الولاء الإسلامي ومقتضيات الاندماج الاجتماعي.

إنّ نظرتنا إلى حاضر الأسرة المسلمة في أوروبا وإلى مستقبلها يستوجب منّا، لحسن تسديد الحاضر وإعداد المستقبل، أن نعتني بفهم واقعها واستيعاب إشكاليتها، من خلال بُعديْن اثنيْن:

أوّلاً: تأثيرات البيئة الاجتماعية، بما تحمله من عوامل إيجابية وأخرى سلبية، والتي ستترك حتماً بصماتها في تشكيل شخصيّة المسلم الأوروبي. والسؤال المطروح في هذا المجال هو: كيف يمكننا أن نفيد أبناءنا من العوامل الإيجابية للبيئة ونحصّنهم من تأثيراتها السلبية؟.

ولن يكون ذلك ممكناً إلاّ إذا كنّا على إطلاع ودراية بالوضع الاجتماعي العام، وما يشهده من تطوّرات وتحولات، في ما يتّصل بموضوع الأسرة بشكل عام ومكانتها في المجتمعات الأوروبية المعاصرة. ولن نجد صعوبة في تحصيل هذا الفهم لوفرة ما هو منشور من الدراسات والبحوث العلمية التفصيلية في هذا الميدان.

ثانياً: المفاهيم التربوية والعادات الأسرية التي حاول الآباء نقلها إلى أبنائهم، وهذه المفاهيم والعادات ليست كلّها مبنيّة على خلفية إسلامية، بل إنّ بعضها قد يكون منافياً للإسلام وإن نُسِبت إليه، فكيف نستطيع أن نميِّز لدى أجيالنا الجديدة بين ما هو عائد إلى أسس الإسلام وأحكامه، وبين ما هو عادات موروثة لا سند لها من الدين؟ هذا الذي يجب أن نعمل على بيانه حتى لا نضطرّ كثيراً من أبنائنا إلى الثورة على عادات خاطئة تُقَدَّم لهم على أنها من الإسلام فيرفضونها ومن خلال ذلك يتنكّرون لدينهم. فعندما يلجأ الأب المسلم مثلاً إلى إكراه ابنته على الزواج ويؤيِّد تصرّفه هذا بأنّ ذلك من حقِّه الذي كفله له الإسلام باعتباره وليّها، فإنّ هذا يجعلها، وهي ترفض هذا السلوك، ربّما تقف موقفاً سلبياً من الدين ككلّ، خصوصاً مع ما يُروَّج في المجتمع من أفكار سلبية بحق الإسلام والمسلمين وطبيعة تعاملهم مع المرأة.

استنتاجات وتوصيات:

إنّ ضرورة العناية بالأسرة المسلمة لما لها من دور هامّ في حفظ الوجود الإسلامي في أوروبا، يقتضي الاهتمام بمجموعة من الجوانب وفق نظرة شاملة تتجاوز التناول الجزئي للمسائل، المنقطع عن مراعاة خصوصيّات البيئة الأوروبية وانعكاساتها على الأسرة المسلمة.

وممّا يجب أن تتجه إليه عناية المسلمين أفراداً وهيئات ومؤسسات ما يلي:

1- القيام بالدراسات الاجتماعية التي ترصد واقع الأسرة المسلمة في أوروبا وما تشهده من تحولات وتطوّرات وما تعاني منه صعوبات وإشكالات، ليكون ذلك مساعداً على تحصينها وتقوية كيانها، لتؤدِّي دورها في التربية والتوجيه للأجيال الناشئة.

ويمكن توجيه بعض الدارسين والباحثين المتخصِّصين للقيام بهذه الدراسات، وصولاً إلى إنشاء مؤسسات بحثية متخصِّصة في هذا الميدان.

2- إعادة الاعتبار للمرأة المسلمة في محيطنا الإسلامي وذلك من خلال:

أ ـ تنقية تراثنا ممّا داخله من الأفكار الخاطئة التي تحطّ من مكانة المرأة وتُسيء إليها.

ب ـ التنبيه على العادات المخالفة للإسلام وإنكارها حتى لا تكون حجّة لمن يتبعها فيقع في الإساءة للإسلام جهلاً به، أو من يرتكز على هذه العادات لينال من الإسلام بغير حقّ.

جـ ـ إعطاء المرأة مكانها اللائق في المؤسسات الإسلامية، والثقة بجهودها وعطائها حتى تُظهِر شخصيّتها وتردّ بنفسها على المُغرِضين الذين يريدون إثبات دونيّتها وعجزها.

3- التركيز في تعليم أبنائنا وشبابنا وتربيتهم على أهمِّيّة الأسرة، وعلى العناية بأمر الزواج وبيان أهدافه وآدابه ومراحله.

ولا يكفي في هذا الأمر التوجيه العام، بل لابد من عقد دورات تدريبية متخصِّصة للشباب المُقبلين على الزواج ـ ذكوراً وإناثاً ـ من أجل توعيتهم بأهمية الزواج وأحكامه، وكذلك بجوانب التعامل في إطار الأسرة، وأن تجمع هذه الدورات بين المسائل الشرعية والدراسات التربوية والنفسية، وأن يتصدّى لهذا أهل الاختصاص في هذه المجالات المختلفة، ويمكن أن تنشأ مؤسسات متخصصة تعمل في هذه الإطار.

4ـ العناية باحتفالات الزواج، ليكون الزواج حدثاً مهمّاً في حياة الشابّ والشابة، وإحياء سنّة إعلان الزواج في المساجد لربطه بالبُعد الديني.

ولم لا يكون للمسلمين مراسم خاصّة بالزواج يقيمونها في المساجد أو المراكز الإسلامية، خصوصاً وأنّ الطوائف الدينية الأخرى تعتني بهذا الجانب، فنجد أنّ الكنيسة تقيم احتفالاً دينياً للزوجيْن الراغبيْن في ذلك، وتتبع في ذلك مراسم معلومة، مع أنّ العقد يجري في الدوائر المدنية ولكن ذلك لا يمنعهم بعد إجراء العقد المدني من إعلان الزواج وإقامة الاحتفال الديني في الكنيسة.

ويتأكد مثل هذا الأمر في ظل مجتمعات علمانية لا تُعطي للمراسم الدينية مجالاً خارج المؤسسات الدينية.

5- توجيه المسلمين لتأسيس مؤسّسات اجتماعية تستقبل من يعانون من المشكلات الأسرية وتساعدهم على حلِّها في إطار القيم الإسلامية، وبسبب غياب مثل هذه المؤسسات تحصل كثير من الإشكالات، ينشأ عنها نزع أولاد من أسرهم ووضعهم في أسر مضيفة إلى غير ذلك من المشكلات.

6- توجيه المسلمين إلى تأسيس هيئات تحكيمية في إطار قوانين البلاد الأوروبية لتتدخّل عند حصول المشكلات الزوجية بغرض الإصلاح والتوفيق قبل اللجوء إلى القضاء، ولابد أن يتصدّى لهذا من تكون لهم دراية بالجوانب الشرعية والقانونية والنفسية، وقد أوصى "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث" بذلك، ولكنّ الأمر يحتاج إلى القيام بخطوات تنفيذية في هذا المجال.

7- مراعاة من يتصدّى للإفتاء من الهيئات والأفراد في شؤون الأسرة المسلمة في أوروبا، النظرة الشاملة إلى المسائل المعروضة قبل إصدار الفتوى بشأنها، وذلك من خلال حسن الاستيعاب لما هو معروض، وفهم الجوانب الواقعية والاجتماعية والقانونية مع اعتبار المآلات في ما يصدر من آراء وفتاوى، واستصحاب المقاصد العامّة الرامية إلى حفظ الأسرة وتقرير مكانة المرأة وكرامتها.

8- العناية بالدراسات المقارنة في موضوع الأسرة، وتأسيس خطاب إسلامي يتوجّه إلى الرأي العام الغربي ليوضح موقف الإسلام في هذا المجال وينفي عنه الشُّبَه الباطلة، ويقدِّم إسهاماته في إعادة التوازن للأسرة الإنسانية بشكل عام.

* هذا التقرير مستقى من دراسة للأستاذ الدكتور أحمد جاء بالله، بعنوان "الأسرة المسلمة في أوروبا ـ بين تأثيرات البيئة الاجتماعية والعادات الموروثة"

التصنيفات: