إضـاءات حـول الحـوار

2011.10.07

الأستاذ أحمد الراوي

لا شكّ أنّ الحوار هو "عملية" ذات طابع تفاعلي، أي أنها ليست شأناً أحادياً الاتجاه، بل تقوم على أخذ وعطاء؛ تأثير وتأثر؛ إرسال واستقبال؛ بلاغ وردّ فعل. والحوار هو كذلك عملية متأثرة بالاستجابات الناجمة عنها، لا تنفصم عن مؤثرات الظرف الآني والخصوصية البيئية والواقع القائم.

ولا يكون الحوار لفظياً فقط. إذ يخطئ من يظنّ أنّ الحوار يقتصر على آلياته اللفظية فقط. ذلك أنّ الحوار له آليات وأدوات وكيفيات شتى، منها ما هو لفظي، لكن منها ما يجري عبر آليات وأدوات وكيفيات غير لفظية، بل قد لا تكون ملحوظة للوهلة الأولى. إنّ ما يسمى بـ"لغة الجسد" قد تفوق في تأثيرها منطوق اللسان أحياناً، وإنّ المرء ليجد فيضاً من الإشارات فائقة الدلالة على ذلك في آي القرآن الكريم وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

والثابتُ أنّ الناس يتحاورون كذلك في حياتهم اليومية بأدوات خطاب وتواصل شتى، كلغة الإشارة من سلام وتحية وترحيب، ولو كان ذلك بدون مفردات لفظية. وممثلو الدول يتحاورون ويتوادّون أو حتى يتخاصمون ويشتبكون بوسائل شتى، منها رفع الأعلام المتجاورة للدلالة على التقارب، أو إحراقها للدلالة على الغضب أو التهديد أو حتى إعلان الحرب.

ويخطئ من يظنّ أنّ الحوار يكون بين المتوافقين حصراً، بل هو مع المخالفين قد يكون أوجب وأدعى. كما أنّ الحوار لا يهدف إلى ثمرة واحدة هي الاتفاق والتوافق لا غير، بل قد يُرجَى منه دفع المضارّ، وإسماع وجهات النظر، وإقامة الحجة، والمنافحة عن المواقف، والتنبيه إلى المزالق والمخاطر، والوصول إلى قواسم مشتركة، أو تسكين الخصومات وتحييد العداوات، أو غير ذلك من المقاصد والمرامي المتوخاة.

بل إنّ الحوار يقتضي التأثير في التوازنات الداخلية للدائرة الأخرى باتجاه الاعتدال، وهو يسعى إلى تعزيز كفة التواصل والتفاهم.

ومن البدهي أنّ التكافؤ شرط من شروط الحوار الناجح، وحتى عندما لا يتحقق التكافؤ المادي أو العلمي أو التقني أو الاقتصادي بين طرفي الحوار؛ فحَسْبُ عملية الحوار أن تمضي رغم ذلك في حالة من التكافؤ المعنوي والتكافؤ في تقديم المضامين بين أطرافه، كي لا يتحوّل إلى استقطاب لجانب على حساب آخر، أو تعبيراً عن استلاب أكثر منه تعاط متبادل قوامه التأثير والتأثر أو الأخذ والعطاء.

ويمكن إرجاع التشكك الذي يحوم أحياناً لدى بعض الأوساط الإسلامية إزاء موضوع الحوار مع الغرب، إلى واقع الفجوة الحضارية والمدنية الهائلة والخبرات السلبية، بين طرفي الحوار هذين. ومن هنا علينا أن نقرِّر أنّ الحوار المنشود ليس حواراً على أرضية الاستلاب للآخر، والتماهي فيه، أو الرضوخ لإملاءاته المفترضة، أو الذوبان في واقعه. بل هو حوار يتأسس على أرضية الثقة بالذات، والاقتدار على خوض التجربة، كما أنه مسار من مسارات الاستنهاض العام للأمة، بما يقتضيه هذا الاستنهاض من التواصل الواعي والكفؤ مع شتى الدوائر الحضارية والثقافية في هذا العالم، ولا شكّ أنّ الغرب يقع منها موقعاً بارزاً.

لا ريب أنّ نهج الحوار هو مطلب إسلامي أصيل. ولا يغيب عن الأذهان أنّ الإسلام يطرح رسالة سامية للإنسانية، إنها رسالة صلاح وإصلاح، وهي رسالة تنوير وتغيير نحو الأفضل، كما أنها رسالة تطوير تنسجم مع سنن الحياة وحركة الكون، وهو ما يحتاج إلى استنفاذ حَمَلَةِ رسالة الإسلام لفنون المخاطبة والتأثير الحسن لإبلاغ هذه الرسالة "ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن"، مع إدراك مكامن سوء الفهم المحتملة التي تقتضي العمل بالوصية النبوية "خاطبوا الناس على قدرِ عقولهم، أتُحِبُّون أن يُكذّبَ اللهُ ورسولُه".

وإنّ التواصلَ والحوارَ، والإقناعَ والمحاججة؛ إنما ينبغي أن تقومَ في جملتِها على مبدأ التكافؤ، بل وعلى أرضيةٍ من احترامِ الآخر المقابل وعدم التصغير من شأنِه. وموقف الإسلام واضح في هذا المجال، فمثلاً؛ ما أروع ما نستلهمه من المعين القرآني في مجال أدب التواصل مع المخالفين، كما نجد مثلاً في قوله تعالى: (قُل من يرزُقُكم مِنَ السماواتِ والأرضِ قُلِ الله وإنّا أو إياكُم لعلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُبينٍ، قل لا تُسألون عمّا أجْرَمْنا ولا نُسألُ عمَّا تعمَلون)، سبأ 24-25.

وهكذا؛ فالرسالةُ إلى "الذات" تتمثل هنا تارةً في وضعِها في سياقِها الإنساني العام بما يقطع الطريق على نزوعها المُتوقّع إلى الاستعلاء، وإلغاء الآخر من الوعي الذاتي، وتتمثل تارةً أخرى في إدراك المقدِّرات الذاتية وإمكاناتها القابلة للتفعيل، بما يقطعُ الطريقَ على التهميش الاختياري للذات أو الشعور بالدونية، وبما يحرِّك أيضاً كوامنَ الفعلِ الحضاري المتألِّق.

ومن شأنِ التكافؤِ بين الأطرافِ الحضارية الفاعلةِ؛ أن يعزِّز إدراكَ واقعِ التنوّع الحضاري والثقافي في عالمنا، والتعاملَ الإيجابي مع حالة التنوّعِ هذه باعتبارها إثراءً للتجربة الإنسانية المشتركة.

إننا نباركُ مساعي المنادين باحترام التنوّع الحضاري والثقافي وحمايته وتعزيزه، ونشدّ في الوقت ذاته على أيدي المحذِّرين من خطورة الأحادية الثقافية التي ترمي إلى صبغِ العالم، بحضاراته وأممه وشعوبه؛ بلونٍ واحد في حالة تعميميةٍ ظاهرة لا يمكن تصوّر نجاحها.

ومقابل ذلك؛ ينبغي أن ندرك أنّ أيسر السبل لتعزيز التنوّع الحضاري والثقافي يتمثل في تحريكِ كوامنِ الفعلِ الحضاريِّ لدى شتى الأطراف، وأرى بصفةٍ خاصّةٍ أنّ الدائرةَ الحضاريةَ الإسلاميةَ عليها أن تقدِّم مشروعَها الحضاريَّ المتجدِّدَ للإنسانيةِ اليوم، بعيداً عن الانكفاء على انتقاد الآخرين وإبراز عيوب مشروعهم الحضاري، بل على أرضية التكامل الحضاري والتواصل مع الآخرين.

التصنيفات: