كلمة الأستاذ شكيب بن مخلوف بمناسبة ربع قرن على تأسيس الاتحاد

2011.06.10

كلمة الأستاذ شكيب بن مخلوف، رئيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، في احتفالية مرور ربع قرن على تأسيس الاتحاد، المقامة في اسطنبول في العشرين من مايو 2010.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمدُ لله الكبير المتعال، الحمدُ لله ذي الجلال، الحمدُ لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

نرحِّبُ بكم اليوم؛ الأساتذة الكرام، الضيوف الموقّرين، الأخواتُ والأخوة، نرحِّب بكم أجملَ ترحيب، نرحِّب بكم في احتفاليةٍ مباركة، في أمسيةٍ ليست ككلّ الأماسيّ.

 

الحضورُ الكريم؛

خلقَ الله الإنسانَ من قَبضةِ الطين ونفخةِ الرُّوح، كرّمه بالعقل، واستعمره في الأرض، أرسل الأنبياء والمرسلين، وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم صلوات ربِّي وسلامه عليه.

أُرسِل الأنبياءُ والمرسلون حاملين رسالة النور، رسالةَ الخيرِ والحقِّ والعدل. وعلى نهجهم مضى التابعون والمصلحون، حتى جاؤوا إلينا بقَبَس، ينيرُ القلوب والبصائر، تعاهده رجالٌ ونساء، شيبٌ وشباب، التقَوْا على محبّة الله، وتوحّدوا على طاعةِ الله، وتعاهدوا على دعوةِ الله، وانتشروا في الأرض يدفعهم الإيمان وإرادة الصالح العام.

من هذا المعين، نهض "اتحادُ المنظمات الإسلامية في أوروبا"، نهض من صميم واقع المسلمين في هذه القارّة، غرباً وشرقاً، ومن بلاد الشمال المتجمِّدة إلى سواحل الدفء المتوسطية. نهض الاتحادُ على أرضيّة صلبة من المفاهيم والتوجيهات الإسلامية، مشبّعاً بالقيم الإنسانية السامية. نهض الاتحادُ مستجمعاً رؤيةً إسلاميةً حضارية، ومتحرِّياً مقصداً إصلاحياً رشيداً، مسترعياً توجّهاتٍ نبيلة استُلهِمت بوعي، وصيغت بعناية، وأُنضِجَت بتبصّر؛ توجُّهاتٍ للنهوض بواقع المسلمين في أوروبا، ولخدمة الصالح العام لبلدان هذه القارّة ومجتمعاتها، ولسان الحال يقول: نريد الخير للناس .. كلِّ الناس.

أجل؛ كان غرساً مباركاً، اشتدّ واستوى على سوقه، ثمّ أصبح شجرةً مورقة، ممتدّةَ الأغصان، وارفةَ الظلال. وإن كان كثيرٌ من المرجوِّ قد تحقّق، فإنّ هناك أكثر منه يُنتظر تحقيقُه. هناك الكثيرُ من المهامّ والواجبات، والمزيدُ من الالتزامات؛ يضعها الاتحاد نَصبَ عينيه، مُدرِكاً المسؤوليات المتعاظمة، والتحدِّيات المتراكمة، متواصلاً في ذلك مع شركائِهِ من عامة المسلمين، ومع شركائه في المجتمعات الأوروبيّة.

إننا في الاتحاد، وإن كنّا نستشرف المستقبل بما يأتي به من مستجدّات وتحدِّيات ومسؤوليات؛ فإننا ندرك أهمّية التواصل بين الأجيال، ونعي طبيعة التراكم في الأدوار والجهود.

وهكذا؛ نفخر بأن يكونَ معنا اليوم رجالاتٌ من الرعيل الأوّل، ثلّةٌ مباركةٍ من أصحاب المآثر، ممن ندينُ لهم بفضل وافر، ونعترف لهم بجميلٍ لا يُقدّر بأثمان، رجالات كنّا وما زلنا نستذكرُ كلماتهم، ونعتزّ بتوجيهاتهم، فنقول لأساتذتنا الكرام، ممّن هم بيننا في هذا الملتقى، وممّن نستحضر وجودَهم معنا، وممّن رحلوا عن الحياة وظلّوا ساكنين في أضلُعِنا؛ نقول لهم: جزاكم الله خير الجزاء.

ليس من هَدْي من ديننا الحنيفِ أن ننحت التماثيلَ أو نُقيم النُّصُب؛ فأجلّ ما نستطيعُ تقديمَه، هو أن نتضرّع إلى الله تعالى أن يُجْزِل الأجرَ والمثوبة لهؤلاء الأساتذة رجالاً ونساء، وأن يضاعف في حسناتهم، ويبارك في غِراسِهم، ونؤكد لهم أننا قد عاهدنا الله تعالى، على مواصلة المَسير، ومتابعة المشروعات والبرامج، وتحرِّي الرشد في عبورنا إلى مستقبل أفضلَ بإذن الله.

 

الأساتذة الأجلاّء؛ الضيوف الكرام؛ الأخواتُ والأخوة؛

من يُطِلُّ على المراحل التي خلت؛ سيلحظ كم تلاحقت المتغيّرات على الواقع الأوروبي، وكم تعاقبت التطوّرات من حَوْل الحضور المسلم في أوروبا.

وقد كُنّا في العشرية الأخيرة بالتحديد؛ على موعد مع مفاجآت داهمت الجميع. فقد ألمّت منعطفاتٌ شاقّة، ما زالت تتلاحَقُ وتتفاعل، حاملةً معها للجميعِ تحدِّياتٍ غير يسيرة.

وقد أدرك الاتحادُ، بإدارته وأقسامِه، وبمؤسّساته الأعضاء في الأقطار وعلى المستوى التخصّصي المركزي، خلال ذلك أنّها تمثل اختباراً جادّاً لأصوات التعقل والحكمة. وقد تعاطى الاتحاد مع هذه المرحلة بالحفاظ على توجّهاته المتوازنة، وإبراز الفهم الإسلامي الرشيد، وتوكيد التوجّهات الإيجابية البنّاءة، وهو ما تجلّى مثلاً في الخروج المبارك بميثاق المسلمين في أوروبا، ولاحقاً في صياغة المنظومة العامّة للاتحاد، وفي الكثير من الوثائق التي واكب من خلالها الاتحادُ المسائلَ المطروحةَ والتطوّراتِ الكبرى.

وقد أكد الاتحاد في غضون ذلك أهمية تعزيز روحِ الوفاق في مجتمعاتنا الأوروبية، والتحذير من نَزْعاتِ الخصام والشقاق أيّاً كان مصدرُها.

كما نادى الاتحاد بتكريس المزيد من الجهود لصالح الأجيال الجديدة، والسعي لضمان تكافؤ الفرص أمامها، وتمكينها من الارتقاء بواقعها من شتى جوانبه، مع مكافحة آفات الانحراف والتحلّل والتطرّف. وأطلق الاتحاد علاوةً على ذلكم، مشروعاً خاصّاً لدعم الاستقرار الأسري، لأنّ تماسُك المجتمع لا يتأتّى بمعزل عن تماسُك نواته ولبنته الأساسية؛ فكان الشعار: أسرةٌ مستقرّة .. خدمةٌ للمجتمعات الأوروبية.

 

الأخوةُ والأخوات،

مع اختتامنا لدورة إدارية من دورات الاتحاد، قوامها أربعة أعوام، فإننا ننقل إلى دورة جديدة وفرةً من الآمال، وطيفاً من البشريات، متطلِّعين وإياكم، أخواتٍ وأخوة، إلى الاستمرارية على النهج والتطوير في الأداء، فأمامنا جميعاً مسؤوليات كبرى تنتظر من ينهض بها ويسهر عليها. ولن يتأتى الفلاحُ في ذلك بدون عوْنِ الله تبارك وتعالى لنا وتوفيقه. فنسألُ الله الثبات والسداد، ونسأله القبولَ في موازين الأعمال الصالحة، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم.

والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته،،

التصنيفات: