كلمة رئيس الاتحاد في ملتقى مسلمي فرنسا الخامس والعشرين

2011.06.06

كلمة الأستاذ شكيب بن مخلوف، رئيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" في ملتقى مسلمي فرنسا الخامس والعشرين، الذي ينظمه "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، خلال الأيام من 13 وحتى 15 أبريل 2007.

 

بسـم الله الرحمـن الرحيـم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين، وبعد ..

 

يسعدني أن أشارككم اليوم أشغال ملتقى مسلمي فرنسا المبارك هذا، وهو الذي يحقق عاماً بعد عام مزيداً من التقدم والازدهار. وإني لأرجو أن تساهم هذه النشاطاتُ الكبرى، ليس فقط في خدمة الوجود المسلم؛ وإنما كذلك في خدمة المجتمع ككل. وهنا لا بدّ وأن أحيِّي الأخوة والأخوات في "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، على جهودهم التي يبذلونها في هذا المجال.

 

أيها الأخـوةُ والأخـوات؛

لعلّ هذا الملتقى الكبير، المتواصل عبر ربع قرنٍ من عام إلى آخر، هو دلالة إضافية على واقع الثراء والتعددية في مجتمعاتنا الأوروبية اليوم. وما ينبغي أن نسعى إليه بعنايةٍ واهتمام؛ هو ضمان مساهمة الجميع في مسيرة التقدّم والرفاه المشترك، وأن يستفيد الجميعُ أيضاً من ذلك.

ومن بواعث الاستبشار التي أودّ أن أتوقف عندها اليوم؛ أنّ الاتحاد الأوروبي قد حدّد هذا العام، ألفين وسبعة، ليكون "السنةَ الأوروبية لتكافؤ الفرص للجميع". فالحفاظ على ملمح التنوّع، ورعايته، يقتضي أيضاً ضمان تكافؤ الفرص في المجتمع الواحد الكبير، وتعزيزها.

إنّ السّعيَ لتعزيز تكافؤ الفرص في مجتمعاتنا الأوروبية؛ هو الرسالةُ التي لابدّ منها، بخاصة للشباب والفتيات، وأيضاً للمرأة على نحو عام، وكذلك للفئات التي تستشعر أنها أدنى حظاً في مجالات التعليم وأقل فرصاً في سوقِ العمل.

وعندما نتحدّث عن تكافؤ الفرص؛ فإنّ اهتمامنا لا ينبغي أن يقتصر على الإطار القانوني الذي ينبغي أن ينهض ذلك على أساسه، فالأمر يتعدّى التكافؤ القانوني إلى مجالاتٍ شتى، من بينها مثلاً تكافؤ الفرص في سوق العمل، وفي الارتقاء الوظيفي. بل نستطيع القول؛ إنّ الأمر يبدأ مع الخطوات الأولى لأبناء مجتمعنا وبناته في دروب الحياة، بدءاً من رياض الأطفال والحياة المدرسية، التي ينبغي أن تكون متاحةً للجميع على المستوى ذاته من الجَوْدة العالية. ولا شكّ أنّ التعليمَ الجيِّد هو مدخلٌ لفُرص أفضل في عالم العمل، بل في مجالات الحياة ككلّ.

ومن هنا؛ فإننا نرى أنّ "السنة الأوروبية لتكافؤ الفرص للجميع"، ينبغي أن تكون وقفةً جادة للمراجعة والتطوير، ولإصلاح مكامن الخلل أو جوانب القصور التي يمكن أن نعثر عليها هنا أو هناك. وإنّ "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" حريص كلّ الحرص؛ على أن يساهم في دفع هذه العملية، بالتعاون مع شركائه في المجتمع المدني الأوروبي، وبالتواصل والتنسيق مع المؤسسات المعنية الرسمية والأهلية على مستوى أوروبا، فمسؤوليتنا جميعاً مشتركة في هذا الميدان الهام، وعلينا أن نتقاسمها بروحٍ من التواصل والتعاون.

 

الأخـوات الفُضْـلَيات؛ الأخـوةُ الأفاضـل؛

إنّ المسلمين في أوروبا بصفتهم مواطنين أوروبيين، يعتبرون أنّ من واجبهم أن يعملوا من أجل الصالح العام وأن يكون حرصهم على أداء واجباتهم كحرصهم على المطالبة بحقوقهم. وإنّ من مقتضيات الفهم الإسلامي السليم؛ أن يكون المسلم مواطناً فاعلاً في الحياة الاجتماعية، منتجاً ومبادراً وساعياً لنفع غيره.

ويودّ اتحادُ المنظمات الإسلامية في أوروبا، أن يؤكِّدَ موقفَه المبدئيّ الذي طالما عبّر عنه، من أنّ المسلمين مدعوّون إلى الاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم، اندماجاً يقوم على التوازن بين الحفاظ على هويتهم الدينية ومقتضيات المواطنة. وكما قرّر "ميثاقُ المسلمين في أوروبا" في هذا الشأن؛ فإنّ "أيّ اندماج لا يعترف بحق المسلمين في الحفاظ على شخصيتهم الإسلامية وحقهم في أدائهم لواجباتهم الدينية؛ لا يخدم في حقيقة الأمر مصلحةَ المسلمين، ولا مصلحة مجتمعاتهم الأوروبية التي ينتمون إليها".

ومن نافلة القول؛ أنّ المسلمين في أوروبا، وهم يعيشون في مجتمعات متعددة المذاهب الدينية والفلسفية؛ يؤكدون احترامَهم لهذه التعددية، وهم يعتقدون بأنّ الإسلام يُقِرّ مبدأَ التنوّع والاختلاف بين الناس، ولا يضيق بواقع التعددية القائم بينهم، بل يدعو إلى التعارف والتعاون والتكامل بين أبناء المجتمع الواحد.

 

الأخـوات الكريمـات؛ الأخـوةُ الكـرام؛

لقد احتفلنا الشهر الماضي بالذكرى الخمسين لتشكيل نواة الاتحاد الأوروبي، والتي تمثل مناسبة تاريخية هامة، تعيد إلى الأذهان ما تحقق عبر خمسة عقود من التقارب والتكامل.

وما يلفت الانتباه؛ أنّ مشروعَ الوَحدة الأوروبية قد برهن للكثيرين في هذا العالم، على إمكانية القفز فوق العداءات وتجاوز الصراعات، باتجاه إحلال السلام وتغليب خيار الوفاق والتصالح، وهو درسٌ ينبغي أن يتم استحضارُه في عالمنا اليوم، الذي ما زال يعاني من حروبٍ وأزمات شتى، بل وتُنادي فيه بعض الأصوات، بكل أسف، بالصراع بين الحضارات والتصادم بين الثقافات.

وإنّني على ثقة؛ بأنّ المسلمين في أوروبا من خلال رصيدهم الدينيّ والثقافيّ، ومن خلال وجودهم في مختلف البلاد الأوروبية؛ يشكِّلون عامل دعم لجهود التقارب في إطار الوحدة الأوروبية، مما يجعل من أوروبا قطباً حضارياً، قادراً بما يحمله من مكوِّنات دينية وثقافية متنوِّعة، على القيام بدور التوازن في العالم.

ولا أبالغ إذا ما قُلت؛ إنّ تعزيز الاحترام المتبادل في الفضاء المجتمعي الأوروبي المتنوع، هو ضمانة إضافية للعبور إلى مستقبلٍ حافل بمزيد من التقدم والازدهار والنجاحات، مستقبلٍ يسعى فيه الجميع إلى قطع مزيد من الأشواط في مسيرة الوحدة والتكامل في هذه القارة التعددية.

ولا شكّ أنّ إحراز المزيد من النجاحات لمشروع الوحدة الأوروبية؛ يتحقق أيضاً عبر تعزيز التواصل الإيجابي بين البشر، والقفز على الأحكام المسبقة السلبية. ويتطلب ذلك رعايةَ معادلةِ الوحدة والتنوع في قارتنا هذه، ومكافحة مظاهر الميز والتفرقة وحالات التشويه، ومعالجة أية اختلالات قائمة. كما ينبغي أيضاً ضمان تكافؤ الفرص للجميع من شتى الشرائح والخلفيات في مجتمعات أوروبا.

بل إنّ مشروعَ الوحدة الأوروبية، الذي نجح في اجتياز هذه المسيرة الطويلة من التكامل، يبقى محطاً لأنظار الأمم والشعوب حول العالم، في أن يكون الدورُ الأوروبي نصيراً لحقوق الشعوب وحرياتها، وداعماً لصون كرامة الإنسان ونماء مجتمعاته، وأن يكون الدورُ الأوروبي سنداً لأمم العالم الأخرى بشكل جاد، في التخلص من دواعي الفقر والجوع والمرض والأميّة، وفي منح السياسة الدولية والممارسة الاقتصادية حول العالم وجهاً أكثر إنسانية ومسؤولية.

 

أيها الأخـوةُ والأخـوات؛

إن كنّا في ما مضى قد أدركنا أهميةَ التسامح وضرورة تعزيزه في مجتمعاتنا، باعتبار ذلك حاجةً إنسانية وأخلاقية لا غنى عنها للتعايش السلمي في مجتمع واحد؛ فإنّ ذلك وحده لا يكفي اليوم لأن ينهض بسقف التوقّعات المنشودة والتحدِّيات المتزايدة.

ومن هنا، وانطلاقاً من التوجيهات الإسلامية وتماشياً مع نهجنا الوسطيّ نقول؛ إنّنا اليوم في أحوج ما نكون إلى قيمة التعارف الإنساني. فالتعارفُ؛ من ضروبِ التواصلِ الإنساني السامية، التي تتأسسُ على النظرةِ الإيجابيّة للتنوّعِ بين البشر، حتى في الفضاء المجتمعي الواحد.

والتعارفُ هنا يتقدّم، وبأشواطٍ فسيحة؛ على مفهومِ التسامح، بما يعنيه هذا الأخير ضمناً؛ من احتمالِ الآخرِ والاصطبارِ عليه، وبكلِّ ما يشي به ذلك من تمايزٍ بين البشر وانسدادٍ في خطوط التواصل الأمثل. أما التعارفُ؛ فهو عمليةٌ تفاعليّةٌ باستحقاق، تقومُ على أساسِ توقُّعِ كلِّ طَرَفٍ أنّ لدى الطرفِ الآخر ما يفيده. ونحن هنا لا نحصر مفهومَ الإفادة بالانتفاع الماديِّ وحده. ذلك أنّ الإفادة تنفتحُ على آفاقٍ إنسانيّةٍ بلا حدود.

ثم إنّ التعارفَ لا ينهضُ إلاّ على أرضيّة الاحترامِ المتبادل، ولن يتحقق ذلك الاحترام في بيئةٍ لا تتيحُ المجالَ للقبول بالآخر.

 

الأخـواتُ والأخـوة؛

لا يجدر بنا أن نكتفي بطرح العناوين العريضة والشعارات؛ دون أن نفصِّل القول في ما يترتب على تلك العناوين من أدوار هامة في شتى المجالات.

وسأحاول بإيجاز أن أتطرّق إلى جانب مما ينبغي عمله في مجالين اثنين فقط، على سبيل المثال، من أجل تعزيز الاحترام المتبادل والتواصل الإنساني الإيجابي في مجتمعاتنا الأوروبية؛ هما مجالا التعليم والإعلام. ولا يتعلق الأمر بمطلب القفز فوق الحواجز والأسوار، كما يُقال أحياناً؛ وإنما أن لا تكون هناك في الأصل لا حواجز ولا أسوار، في مجتمعاتنا التي تتطلّع إلى مستقبلٍ متحرِّر من الأعباء.

إنّ التعليم، أيها الأخوة والأخوات، يتحمّل في العادة قسطاً وافراً من المسؤولية عن نجاحنا المشترك في ميدان التفاعل الإيجابي داخل مجتمعاتنا. وهناك من الخبراء من تحدّث غير مرة عن ما يراه من قصور في بعض المناهج التعليمية المعمول بها في بلدان هذه القارة، في مجال التنشئة على قيم التعارف الإنساني والقبول المنفتح بالآخر. بل توصّلت العديد من البحوثِ والدراسات التي أجريت في هذا الحقل؛ إلى أنّ مناهج التعليم لم تساهم بما فيه الكفاية في مكافحةِ الانطباعاتِ السلبية الراسخة في الوعي الجمعي إزاء الإسلام والمسلمين، بل غذتها في كثير من الأحيان. يقتضي هذا تكاثف الجهود الرامية لتنقيح المناهج المدرسية في بلدان أوروبا مما عَلَق بها من شوائب، لها انعكاساتها السلبية على واقع الأجيال الجديدة ومستقبلها.

أما وسائل الإعلام؛ فهي مُطالَبة بأن تتحلّى بالمسؤوليّة، فالحرية الإعلامية تَفرِضُ التزاماتٍ أيضاً. وعبر السنوات الأخيرة بكل ما تخلّلها من أزماتٍ؛ استرعى انتباهَنا أنّ بعض وسائل الإعلام لم تتحلّ بالحساسيّة الكافيّة، بل عمدت أحياناً إلى التشويهِ والتحريضِ وإشعال الحرائق.

ولا ريب أنّ العيشَ في "مجتمع المعلومات والإعلام"؛ إنما يعني كذلك أنّ بقاء بعض وسائل الإعلام في منأىً عن مسؤولياتها الأخلاقية والأدبية؛ أمرٌ لا يُحمدُ عقباه في ظل هذا التدفق الهائل للمضامين الإعلامية. وإزاء ذلك؛ ينبغي التذكير؛ بأهمية الوصول إلى علاقة إيجابية متقدمة بين مكوِّنات المجتمع الواحد، بل المجتمع الإنساني ككل في عالمنا الصغير.

ومن المؤكد أنّ هناك جملة من المسؤوليات والمهام الأخرى، التي لا غنى عنها في هذا المضمار، لكل من يسعى إلى توطيد روح الوفاق والتكامل والتبادل الإيجابي في المجتمع الواحد، بل أيضاً بين الأمم والحضارات في عالمنا، وما نحتاجه قبل ذلك وبعده؛ هو الوعي بالتحديات، وإرادة القيام بالواجبات، والتصميم على متابعة المسؤوليات.

 

الأخـوة والأخـوات؛

لقد تابع مسلمو أوروبا في السنوات الأخيرة، ومعهم الكثير من أصوات الحكمة والاعتدال في أوروبا والعالم الإسلامي، بقلق بالغ، ذلك التدهور المؤسف في منحى الإساءة المتواصلة للدين الإسلامي ومقدساته وأحكامه.

وبشكل خاص؛ تسبّبت موجةُ الإساءةِ البالغة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ بجرحٍ بالغ لمشاعر مليار وربع المليار مسلم حول العالم، بمن فيهم المسلمون في أوروبا، الذين فجعتهم موجة الإساءة تلك.

ولا شكّ أنّ امتهانَ المعتقدات الدينية والنيلَ من المقدّسات يبعثان برسالة خاطئة، في الوقت الذي ينبغي أن تتضافر فيه الجهود لتشجيع التفاهم المتبادل والحوار بين الحضارات والثقافات.

وقد بات واضحاً أكثر من أيِّ وقت مضى؛ أنّ حرية التعبير تفقد قيمتَها الأدبية والأخلاقية إن لم تتماشَ مع التحلِّي بالمسؤولية، وبغياب استشعارِ المسؤولية؛ تستيقظُ النزعاتُ البدائية السلبية، التي تتغذى على الشقاق والخصام والعداوات المتبادلة. فليس مقبولاً أن يتذرّع خطابُ الكراهية والتشويه بواجهةِ حرية التعبير، أو أن يستعملَ قيمةَ الحرية الجميلة لتأجيج النزعات العدائية أو حتى العنصرية. ولا يمكن أن تكونَ الحريةُ دعوةً مفتوحةً لإيقاظِ نوازع الكراهية المتبادلة، وإيغار الصدور بما لا يخدم المصلحة الإنسانية المشتركة.

لقد نظر المسلمون في أوروبا، بقلقٍ إلى تصاعد تلك الموجة من التشويه؛ وما زالوا يتطلّعون باهتمام بالغ إلى مبادراتٍ مسؤولةٍ من المستويات الرسمية والثقافية والإعلامية، لترجيح كفّة خطاب الوفاق والاحترام المتبادل. وإنني على ثقة؛ بأنّ مسلمي أوروبا سيكونون شركاء فاعلين وسنداً أميناً لكلِّ المساعي والخطوات الرامية لرأب الصدوع وسدِّ الفجوات، بما يحقِّق الصالحَ العام لخير المجتمعات الأوروبية، بل لعالمنا التعدّدي ككلّ.

وليس خافياً؛ أنّ حملات الإساءةِ والتشويه، ومساعي التحريضِ وإثارة الضغائن والأحقاد؛ إنما تتغذى من الجهل، وتعتاش من الافتقار إلى المعرفة الحقة وشيوع الأحكام السلبية المسبقة. ومن هنا؛ تتجدّد الحاجةُ إلى التعرّف على الدين الإسلامي الحنيف وكذلك على شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وسيرته الكريمة؛ من المصادرِ العلمية والمعرفية البعيدة عن الإثارة أو التشويه أو التحامل.

 

الأخـواتُ والأخـوة؛

بعد هذا التناول لموضوعنا المتشعب هذا؛ .. لعلّ الأمر يقتضي منا الوقوف عند مسألة التنوّع وحق الاختلاف ..

وقد يبدو من غير المألوف لبعض الناس ربما أن يتحدّث المرء عن "حق الاختلاف"، رغم أهميته وضرورته، إلاّ أنه من دواعي التفاؤل أن يشهد عالمنا بالفعل اعترافاً متزايداً بأهمية هذا الحق، حتى وإن كانت الممارسة الفعلية ما زالت بعيدة عن ترجمة ذلك على أرض الواقع على النحو الملائم.

فقبل قرابة العام ونصف العام، تم إقرار وثيقة تدعو إلى حماية "التنوّع الثقافي"، بعد أن صاغتها منظمة اليونسكو هنا في باريس، وكان جيداً أنّ فرنسا وقفت بقوة لإسناد هذه الوثيقة الدولية حتى رأت النور، رغم الصعوبات التي أحاطت بها.

ومن بين ما يستنتجه المرء من وثيقة حماية التنوع الثقافي؛ أنّ هناك بالفعل حالة تقترب من التوافق بين الحكومات في ما يتعلق بالحفاظ على التنوّع الثقافي، وأنّ ذلك يُعَبِّر بشكل جليّ عن القلق المتنامي على الخصوصيات والتمايزات في عالمنا اليوم.

ولا ينبغي أن يتوقف الأمر على الحكومات؛ فنحن جميعاً معنيّون بأن نساهم في التعامل الواعي والرشيد مع مسألة التنوّع الثقافي. ويستدعي ذلك أيضاً أن نُدرِكَ؛ أنّ "حق الاختلاف"، أو حتى "الحق في التنوّع الثقافي"، ليس حقاً "سلبياً"، بل ينبغي أن يُضمَنَ تفعيلُه بصفة "إيجابية". ونعني بذلك أن يتم التعبيرُ عن الاختلاف والتنوّع تعبيراً جلياً وفاعلاً ومؤثراً بصورة حسنة ورشيدة في شتى الميادين ذات الصلة. ولا يكون ذلك بمعزل عن إتاحة الفرص العادلة لمكوِّنات المجتمع وفئاته، لكي يساهم الجميع في صياغة المشهد العام الذي ينبغي أن يقوم على التكامل والتناغم والوفاق، وسيكون الحوارُ مدخلاً لا غنى عنه في هذا النهج. ولا ينبغي لهذا الحوار أن يتحوّل إلى شعارٍ جميل بلا مضمون فعلي، أو أن يغدو مظهراً برّاقاً بلا جوهر ملموس؛ وإنما تتوجّب ترجمةُ ثقافة الحوار على أرضِ الواقِع بميادينه المتشعِّبة.

إنّ تعزيزَ الشراكة والتعاون والتنسيق والتواصل، مع شتى الأطراف الممكنة في مجتمعاتنا؛ هو مطلب لا غنى عنه من أجل حماية التنوع الثقافي وتطويره، وسعياً لإتاحة المجال لتفعيلِ "حق الاختلاف" والتعبير عنه تعبيراً ناضجاً ورشيداً.

ولا بدّ أن نستذكر؛ أنّ تجاهلَ حقِّ الاختلاف، وطمسَه، وتجاوزَه؛ إنما يؤدي حتماً إلى تفاقم صور الخلاف والخصام، ويمنح الفرصة لأصوات القطيعة والتدابر.

ولا نريد هنا أن نغضّ أنظارنا عن الاختلالات والفجوات ومكامن القصور التي لا يصعب العثور عليها؛ بل أن نجعل من هذه جميعاً ميادين تتوجّه إليها جهود الإصلاح لمعالجتها بوعي وحرص وجدّيّة، كي نقطع الطريقَ على أية توترات أو أزمات يمكن افتراضها، أو حتى توقّعها.

 

إخـواني؛ أخـواتي؛

لا ينبغي أن نتجاهل بأي حال من الأحوال، أنّ واقع التنوّع والاختلاف؛ يقتضي بالضرورة التعاون والتآلف ضمن الفضاء المتنوِّع والتعددي.

والمدخل الذي أراه لذلك هو تعزيز القواسم المشتركة، والوصول إلى "كلمة سواء" في هذا الشأن. إذ يجمعُ فضاءُنا الاجتماعي التعددي العديدَ من القيم والمبادئ والأخلاقيات المشتركة؛ وهذه ينبغي أن تكون موضع اهتمامنا جميعاً، وأرضية تواصلنا وتعاوننا على ما فيه الخير. وفي واقع الأمر؛ فإنّ هذا التواصل هو ما يعبِّر أفضلَ تعبير عن قيمنا السامية المشتركة هذه.

وحتى عندما نجد أحياناً أنّ دلالات تلك القيم ومفاهيمها، ليست متطابقة تماماً بين الجميع، (وليس من المنتظر ذلك التطابق الحالم)؛ فإنّ هذا يوجِّهنا إلى ضرورة الحوار لنحقِّق التفاهم المنشود، وأعني الحوارَ حولها بشكل متكافئ، بما لا يُلغِي الحقّ في التنوّع بشأنها أيضاً. ولذا؛ فليس من الوارد، بالطبع، الحديثُ عن تعميم المفاهيم بشكل قسري.

ومن القسط القول إنّ التواصلَ والحوارَ، والإقناعَ والمحاججة؛ إنما ينبغي أن تقومَ في جملتِها على مبدأ التكافؤ، بل وعلى أرضيةٍ من الاحترام المتبادل. وما أروع ما نستلهمه من المعين القرآني في مجال أدب التواصل مع المخالفين، كما نجد مثلاً في قوله تعالى: (قُل من يرزُقُكم مِنَ السماواتِ والأرضِ قُلِ الله وإنّا أو إياكُم لعلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُبينٍ، قل لا تُسألون عمّا أجْرَمْنا ولا نُسألُ عمَّا تعمَلون)، سبأ 24-25.

وما يلفت الانتباهَ أيضاً؛ أنّ قيمة الحوار تساعدنا على أن نضع أنفسَنا في سياقِنا الإنساني العام، بما يقطع الطريق على النزوع إلى الاستعلاء، أو إلغاء الآخرين وطمسهم من الوعي. كما أنّ قيمة الحوار تعيننا على إدراك قدراتنا الذاتية وإمكاناتها القابلة للتفعيل، بما يقطعُ الطريقَ على التهميش الاختياري للذات أو الشعور بالدونيّة، وبما يحرِّك أيضاً كوامنَ الفعلِ الاجتماعي المتألِّق.

 

الأخـوة والأخـوات؛

إن كنّا ننادي بالاندماج الإيجابي؛ فإنّ علينا أن نعي جيداً أنّ المشاركة هي السبيل لذلك الاندماج.

ومشاركة مسلمي أوروبا عليها أن تتوجّه للإسهام الحسن في شتى مجالات الفعل داخل فضاءاتهم الاجتماعية الواسعة. إنه دورٌ يتأسّس على حقوقِ المواطنة وواجباتها، ويأخذ بعين الاعتبار أيضاً الواقع القائم في الساحات الأوروبية، علاوة على أنه يتمثّلُ قيمَ الإسلامِ ويصدر عنها، مع السعي للتعبير عن التوجّهات والقيم السامية التي فيها الصالح العام.

إنّ هذه المشاركة لا تكتفي بالسعي لرعاية الوجود المسلم في أوروبا والحفاظ على حقوقه وحريّاته، وتثمير منجزاته ومكتسباته، وتعزيز فرصه وتطوير إمكاناته؛ بل هي تتولّى أيضاً التعبيرَ الناضجَ عن تصوّرات المسلمين في مجتمعهم، وتمثيل احتياجاتهم ومطالبهم بطريقة بنّاءة وتفاعلية، وبما يتساوق مع خصوصيّات البيئات الأوروبيّة.

وعلى هذه المشاركة أن تتوجّه للإسهام في خدمة الصالح العام للمجتمعات الأوروبية، سواء للمسلمين أو لغير المسلمين.

كما تضعُ هذه المشاركةُ نصبَ عينيها تعزيزَ الحضورَ الإيجابيّ للمسلمين في مجتمعاتهم الأوروبيّة، وتفاعلهم مع الشأن العام فيها، وتحاشي الانزلاق إلى أية عوارض من العزلة والهامشيّة أو الإقصاء والتجاهل، مع الحرص على تدعيم قيم الوفاق والحوار والسلم المجتمعي، ومكافحة آفات الشقاق ونزعات الخصام.

وترنو هذه المشاركة من جانب المسلمين إلى شقِّ قنواتِ الحوار وتفعيل خطوط التواصل والتعاون في الساحة الأوروبيّة العامة، مع توفير الأجواء المساعدة على المشاركة المجتمعيّة الرشيدة للمسلمين وتعزيزها في شتى المجالات.

أي يمكنُ القول إنّ هذه المشاركة؛ .. هي تجسيدٌ بليغ للمواطنة الصالحة في المجتمعات الأوروبيّة، بما يترتب عليها من أدوار ينبغي النهوض بها في شتى المجالات.

وإنّ هذه المواطنة الصالحة هي ما نأمل أن يعبِّر مسلمو أوروبا عنها أجمل تعبير، ونعاهدكم أن يبقى "اتحادُ المنظمات الإسلامية في أوروبا"، رافداً لكم ولكل شركائنا في المواطنة، كي ننجز رحلةَ العبورِ إلى مستقبل واعد لنا ولأجيالنا الجديدة في المجتمع الواحد.

 

ودمتم أخواتي إخواني في حفظِ الله ورعايته ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

التصنيفات: