كلمة رئيس الاتحاد في الذكرى العاشرة لتأسيس "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"

2011.06.07

كلمة الأستـاذ شكيـب بـن مخلـوف، رئيس "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، بمناسبة الذكرى السنوية العاشرة لتأسيس "المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث"، سراييفـو 28 ربيع الثاني 1428 هـ / 15 مايو 2007 م

 

العلمـاء الأجـلاء؛

المشـايخ الأفاضـل؛

الأسـاتذة الباحثون؛

الضيـوف الكـرام؛

الأخـوةُ والأخـوات؛

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

إنها لمناسبةٌ طيبة، هذه التي نلتقي في رحابها اليوم، وفي هذه المدينةِ العزيزةِ على قلوبِنا. فالمجلسُ الأوروبيُّ للإفتاءِ والبحوث، بعلمائِه الأجلاّء، ومشايِخِه الأفاضل، وباحثيه الكرام، هو مؤسسةٌ رياديةٌ بالنسبة للحضورِ المسلم الجديد في أوروبا، شرقاً وغرباً. وإنّ هذا المجلس؛ يَتَبَوَّأُ كما تَلمَسونَ يا أصحاب الفضيلة؛ مكانةً رفيعةً في وَعيِ المسلمين في هذه القارّة على امتدادها. فخالصُ التهنئةِ نُزجيها لهذا المجلسِ الموقّر، بعد أن قطع مسيرةَ عشرةِ أعوامٍ مديدة، إنها عشريةٌ حافلةٌ بالجهود العلمية والبحثية، وبالمعالجاتِ الفقهية، التي نأمل أن تستمرَّ وتتواصلَ قُدُماً، خاصة مع تنامي الحاجة إليها كما نلمسُ جميعاً.

ولعلّنا نذكُر، أننا في اتحادِ المنظماتِ الإسلامية في أوروبا، قد شُغِلنا منذ أوائلِ تسعينياتِ القرنِ الماضي، بحاجةِ المسلمين المتنامية في البلدان الأوروبية، إلى معالجاتٍ فقهية لما يَستَجِدُّ في واقعهم. وكانت الملاحظةُ التي تراكَمت آنذاك؛ أنّ خصوصيّةَ البيئةِ الأوروبية، تستوجبُ النهوضَ بإطارٍ قائمٍ بذاته، أخذاً بعين الاعتبار تأثُّرَ الفتوى بالمكانِ والبيئاتِ والأحوال.

وكانت البدايةُ مع الندواتِ الفقهيةِ الشهيرة، التي عُقدت في رحاب الكلِّيّة الأوروبية للدراسات الإنسانية في شاتوشينون بفرنسا. ومن بعد تشكّل المجلسُ الأوروبيُّ للإفتاءِ والبحوث، بمبادرةٍ من اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، ليكونَ مَعْقِدَ الرّجاءِ للمسلمين في هذه الديار، في مجال الفتوى والمعالجات الفقهية والبحوثِ الشرعية.

ولا ريبَ أنّ تشكيلَ المجلسِ الأوروبي للإفتاء والبحوث؛ قد جاء مؤشِّراً عملياً على تجذّر الوجود المسلم الجديد في القارّة الأوروبية، حيث باتت حاجةُ المسلمين إلى هذا المجلسِ المباركِ ماسّةً للغاية، مع استقرارِهم في بيئاتِهم الأوروبية، ونشوءِ مسائلَ ومُعضِلاتٍ طارئةٍ عليهم، تستوجبُ إمعانَ النظرِ؛ على نحوٍ لا تنهضُ به المعالجاتُ الفقهيةُ التي لا تَختصُّ بواقِعِهِم.

 

الجمـعُ الكـريم؛

لا يخفى عليكم أنّ الوجودَ المسلمَ في أوروبا يجتازُ اليومَ مرحلةً حافلةً بالفُرَص والتحدِّيات.

إنّها فُرَصُ التفاعلِ الإيجابي المتبادل بين المسلمين ومجتمعاتِهم الأوروبية المتنوِّعة، والذي نتطلّع إلى أن يعودَ بثمارٍ طيِّبةٍ ومكاسبَ وفيرةٍ على فضائِنا المجتمعيِّ العريض.

وهي أيضاً فُرَصُ النجاحِ المأمولةِ للأجيال المسلمةِ الجديدة في هذه الديار، التي تَشُقُّ طريقَها نحو مستقبلٍ أفضل.

كما أنّها فرصُ النهوضِ بدَوْرِ المرأةِ المسلمةِ في شتى مجالات الفعل الإيجابي، بحيث نستدركُ جوانبَ القصور، وكي يَرقَى هذا الدّوْرُ إلى ما يرتضيه الإسلامِ من مكانةٍ كريمة وفاعلة للمرأة المسلمة على شتى المستويات.

وهناك فرصٌ عديدةٌ أخرى، يجدُرُ استثمارُها جميعاً وتطويرُها، بما يخدِمُ واقعَ المسلمين في أوروبا، وكذلك الصالحَ العام لمجتمعات أوروبا وبلدانها.

أمّا تحدِّياتُ المرحلة؛ فكثيرةٌ هي أيضاً.

ولعلّ ما يلفت انتباهي منها الآن؛ تحدِّي تمكينِ شبابِنا وفتياتِنا من النجاح في شتى المجالات، وتحقيقِ الذاتِ على نحوٍ إيجابيٍّ ورشيد.

وأذكُرُ كذلك التحدِّي المتمثلَ بالتواصل الإيجابي بين أجيال المسلمين في أوروبا، بحيث نتلافى الانقطاعَ بين أجيالِنا، حتى مع حرصِنا على تمرير ما هو إيجابيٌّ وبنّاءٌ وحسب، من جيلٍ إلى آخر.

كما نلحظُ تحدي تعزيزِ الأسرةِ المسلمة الأوروبية، ودعمِ الدفءِ الاجتماعيِّ الذي تشتدُّ حاجتُنا إليه، وهو دِفءٌ نأمل أن لا يتوقّفَ على نطاقِ المسلمين وحدِهم، بل أن يتجاوزَهُم إلى المحيطِ الاجتماعي الأوسع، امتثالاً لتوجيهاتِ الإسلام في هذا الشأن.

وهناك أيضاً التحدي المتمثلُ بتعزيزِ فُرَصِ التعارفِ المجتمعي، ومكافحةِ التشويهِ والصُوَرِ النمطيةِ السلبية، وكذلك آفةِ "الإسلاموفوبيا".

وعلاوةً على هذا كلِّه؛ أحسب أنّ واحداً من أعظمِ التحدِّيات؛ إنما يَتَجسّدُ في كيفيّةِ التعبيرِ الحَسَنِ عن قيم الإسلام السامية، وتَمَثُّلِها في شتى المجالات.

ولا شكّ أنّ قائمةَ التحديات عصيةٌ على الحصر بكل تأكيد؛ لكننا نسعى بعونِ الله تعالى، ومعنا شركاؤُنا في المجتمعات الأوروبية، للقيام بالأدوارِ المأمولة في ما يتعلّقُ بكلٍّ منها. ويبقى لهذا المجلسِ الموقّر، المجلسِ الأوروبيِّ للإفتاءِ والبحوث، دورُهُ الذي لا غِنى عنه، في إنجاحِ هذه المساعي، والإسهامِ في العبورِ إلى مُستقبلٍ واعدٍ بإذن الله.

 

الجمـعُ الكريـم؛

لا يخفى عليكم أنّ مسألةَ الاندماجِ والمواطنة، هي من الشواغلِ المتجدِّدة للمسلمين في أوروبا. ولذا فإننا نتطلّعُ إلى نجاحِ أعمالِ المؤتمر الذي يَعقِدُهُ هذا المجلسُ المبارك، في بحثِ هذه المسألة الهامّة.

وفي هذا المقام؛ فإننا في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، نُعرِب عن ثقتِنا بأنّ المسلمين في أوروبا بصفتهم مواطنين أوروبيين، يعتبرون أنّ من واجبهم أن يعملوا من أجل الصالحِ العام، وأن يكون حرصُهم على أداء واجباتهم كحرصهم على المطالبة بحقوقهم. ونحن نُدرِكُ في هذا السياق؛ أنّ من مقتضياتِ الفهمِ الإسلاميِّ السليم؛ أن يكون المسلمُ مواطناً فاعلاً في الحياة الاجتماعية، منتجاً ومبادراً وساعياً لنفع غيره.

ويودّ "اتحادُ المنظمات الإسلامية في أوروبا"، أن يؤكِّدَ موقفَه المبدئيّ الذي طالما عبّر عنه، من أنّ المسلمين مدعوّون إلى الاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم، اندماجاً يقوم على التوازن بين الحفاظ على هويتهم الدينية ومقتضيات المواطنة.

ومن نافلة القول؛ أنّ المسلمين في أوروبا، وهم يعيشون في مجتمعات متعددة المذاهب الدينية والفلسفية؛ يؤكدون احترامَهم لهذه التعددية، وهم يعتقدون بأنّ الإسلام يُقِرّ مبدأَ التنوّع والاختلاف بين الناس، ولا يضيق بواقع التعددية القائم بينهم، بل يدعو إلى التعارف والتعاون والتكامل بين أبناء المجتمع الواحد.

 

وفي الختام، علماءَنا الأجلاء، مشايخَنا الأفاضل، الباحثون الكرام، الضيوفُ الأعزاء؛

فإني، وباسم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، لأرجو لانعقادكم هذا كلَّ النجاحِ والتيسير من المولى تبارك وتعالى، راجياً أن تكون العشريةَ الأولى من عمر المجلسِ المبارك؛ فاتحةَ خيرٍ عميم، وإيذاناً بنهوضٍ متجدِّد لواقع المسلمين في عموم أوروبا، والله وليُّ التوفيق، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

التصنيفات: