خطاب من "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" إلى الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي

2012.04.05

فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية نيقولا ساركوزي المحترم،

تحية طيبة،

نتابع في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"، ومعنا عموم المسلمين في هذه القارّة، وقطاعات من المجتمع المدني الأوروبي وأوساط الجمهور، المنحى المُقلق الذي اتخذته بعض المواقف السياسية والإعلامية في فرنسا خلال الأسابيع الأخيرة، في ما يتعلّق بالتعامل مع المسلمين في فرنسا ومؤسّساتهم.

فما يأتي من مواقف وتصريحات من جهات رسمية وسياسية يرسم صورة تبعث على القلق من بعض التوجّهات المُعلَنة نحو المسلمين. كما أنّ ما تخرج به بعض وسائل الإعلام يكاد يضع مسلمي فرنسا ومؤسّساتهم الكبرى وأئمة المساجد في خانة الاشتباه الجائر.

وقد تلقّى "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" بكثير من الاستغراب بعض الخطوات والمواقف، ومنها، مثلاً، إعلان جهات فرنسية مسؤولة عن رفض السماح لعدد من العلماء والشخصيات المسلمة المرموقة بدخول فرنسا لحضور ملتقى مسلمي فرنسا التاسع والعشرين، بالتزامن مع حملة تشويه إعلامي مُستهجَنة بحقّ هؤلاء العلماء الذين يحظون باحترام واسع.

نودّ التذكير بإنّ هذه الخطوات التي تتنافى مع مقتضيات اللياقة، وتلك الإساءات المتكرِّرة للمسلمين في فرنسا؛ لا يمكن أن تنسجم مع قيم الجمهورية الفرنسية، كما أنّها تبعث برسائل في الاتجاه الخاطئ. فهناك ما يمنح الانطباع بأنّ مزيداً من الأعباء المعنوية الجائرة يتمّ إلقاؤها على عاتق مسلمي فرنسا بعد الجرائم الأخيرة البشعة التي شهدتها تولوز وراح ضحيّتها مواطنون فرنسيون من طوائف عدّة بينهم مسلمون. ولعلكم تلحظون بعض الأصوات في السياسة والإعلام التي تتولّى عملياً شقّ صفوف المجتمع الفرنسي وإثارة هلع الجمهور من المسلمين والمؤسسات الإسلامية، واستعمال دماء الضحايا الأبرياء بطريقة رخيصة، وتجاهل معايير الإنصاف والالتزامات المتعلِّقة بحقوق الإنسان.

ومن المؤسف أن تنزلق مواسم الانتخابات العامّة إلى مزايدات رخيصة تتنافى مع روح الديمقراطية، عبر استعمال التشويه والتحريض، وإثارة المواطنين بعضهم ضدّ بعض، وشقّ صفوف المجتمع لأهداف تصويتيّة أو إعلامية رخيصة. فالعمل السياسي وخصوصاً في المناسبات الانتخابية ينبغي أن ينأى عن بثّ الأحقاد ونشر المخاوف وإثارة الهلع والإساءة إلى الطوائف والخصوصيّات الثقافية لشركاء المجتمع ومواطني الجمهورية.

لا شكّ أنّ أعمال العنف والاعتداء والترويع مُدانة بشتى صورها ولا يمكن تبريرها، وينبغي درؤها والتصدِّي لها، وهذا ما أكّدناه في مواقفنا المتكرِّرة. لكن لا يجوز تعميم الأوزار وتحميل أتباع دين بعينه أو منتسبي طائفة أو ثقافة ما جريرة ممارسات العنف والإرهاب أو دمغهم بوصمة الاشتباه الجائر، أو تقليص حرِّيّاتهم العامّة والشخصيّة. وإنّ الردّ الأمثل على ممارسات العنف وخطاب الكراهية وأصوات التطرّف إنّما يكمن في عزلها ضمن نطاقها الحقيقي، والتعامل معها ضمن أدوات العدالة ونُظُم دولة القانون، مع تعزيز التضامن والانفتاح، وصيانة القيم الإنسانية والمبادئ الدستورية، ودعم الوفاق وتعزيز الاحترام المتبادل، وإشاعة التضامن والتماسك في المجتمع. وإنّ تضافر الجهود والتعاون المشترك في الفضاء السياسي والمجتمعي كفيل بالتعامل الأمثل مع المشكلات والتحدِّيات والتهديدات.

إنّ حمّى التشويه والتحريض هي الردّ الخاطئ على صدمة تولوز، فهي تُنذِر في الواقع العملي بالمساس بقيم الحرِّيّة الدينية والشخصية، والمساواة وتكافؤ الفرص، والانفتاح والتسامح، والاحترام المتبادل والتضامن، كما أنّ هذا المنحى غير المسؤول يصرف الأنظار بعيداً عن التحدِّيات المشتركة التي تتطلّب من المجتمعات بشتى مكوِّناتها التصدِّي لها والتعامل مع بواعثها وجذورها وتداعياتها.

ننتظر من كافّة الجهات المسؤولة في فرنسا أن تتحلّى بالحكمة وسعة الأفق والحرص على الوحدة الوطنية، حتى في سياق المنافسة السياسية والانتخابية. فالمطلوب من الجميع العمل الحثيث على كسب القلوب وبناء الجسور وتعزيز الثقة المتبادلة، وقطع الطريق على أصوات التحريض الساعية إلى القطيعة والخصام وافتعال الفجوات داخل مجتمعاتنا الأوروبية والإضرار بالعلاقات بين الثقافات.

 

مع خالص الاحترام،

بروكسيل، 5 إبريل 2012

شكيب بن مخلوف

رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا

التصنيفات: